فى انتظار ديمقراطية الأنياب والأظافر

وسط إشارات خجولة تنطلق من أوساط مؤيدي النظام حول وجود نية لتخفيف القبضة الخشنة على الحياة العامة ، وإعطاء مساحات أكبر للأحزاب للعب دور ما فى صنع القرار، تأتى التسريبات حول ضرورة تعديلات دستورية تشمل فى الأساس عدم قصر مدد ترشح رئيس الجمهورية على مدتين فقط، وزيادة كل مدة من 4 سنوات إلى 5 وربما 6 سنوات، لتغلق الأبواب أمام أية توقعات جادة بحدوث انفراجة ديمقراطية حقيقة تصاحب الولاية الثانية للرئيس السيسى.

مؤيدو النظام يرون أن هذه التعديلات الدستورية ستعطى الفرصة للرئيس السيسى للانتهاء من إصلاحاته الاقتصادية ومن مشاريعه القومية الكبرى التى أطلقها فى فترة ولايته الأولى، وأن 8 سنوات لا تكفى لكى ينجز هذه المهام الشاقة، دون أن يحددوا بالضبط المدد التى يحتاجها الرئيس لإنجاز مهامه، وبعضهم استشهد بالتعديلات الدستورية التى أجرتها الصين مؤخرا والتى تسمح للرئيس الصينى بالترشح لعدد غير محدود من الفترات، وهى التجربة التى ينبغى أن نستنسخها بحذافيرها فى مصر.

بعض هؤلاء المؤيدين يرون أن هناك رغبة حقيقية لدى السلطة بإجراء حراك سياسى مهم، قد يتسع لإنشاء حزب سياسى يتزعمه الرئيس السيسي، ودمج عدد من أحزاب المعارضة فى حزب واحد بدلا من هذا التشتت والضعف الذى يصم حياتنا الحزبية التى تضم اكثر من 100 حزب لا أحد يدرى عنها شيئا واضحا ومحددا، وربما قد يظهر هذا السيناريو للنور مع انتخابات مجلس النواب المقرر إجراؤها العام المقبل.

أما معارضى النظام فيرون أن الرئيس السيسى الذى رشح نفسه للانتخابات بدون برنامج سياسى محدد، لم يحقق وعوده الانتخابية التى أطلقها قبيل ترشحه لولايته الأولى وعلى رأسها أن تكون مصر “أد الدنيا” خلال عامين، وأن المرتبات سوف تكفى احتياجات المصريين، وأن الدعم لن يتم خفضه أو رفعه قبل أن “يغتنى” الفقراء ومحدودى الدخل، فى نفس الوقت الذى يتم فيه اتخاذ قرارات سياسية خطيرة بصورة منفردة لا تتفق مع الفلسفة المؤسسية التى يشدد عليها الدستور، ولا على مبادىء الفصل بين السلطات، بل مع هيمنة السلطة التنفيذية على كل سلطات ومؤسسات الدولة، وتركز السلطة فى يد مجموعة صغيرة تنفرد وحدها بكل الصلاحيات بدون حسيب ولا رقيب!.

ما بين هذين التصورين لمستقبلنا السياسى خلال السنوات الأربع المقبلة، يبدو أن هناك صفقة ما تسمح بهامش ديمقراطى محدود تحيط به الخطوط من الحمراء من كل الاتجاهات كما كان الحال فى نظام الرئيس الراحل أنور السادات صاحب النظرية الغريبة حول وجود “أنياب وأظافر للديمقراطية “تسمح للسلطة بالزج بكل المعارضين فى السجون والمعتقلات، خاصة وأن محاولات السلطة لاستنساخ تجربة النظام السياسى لعبد الناصر بإنشاء حزب واحد غير مطروحة عمليا للعديد من الأسباب قد يكون أهمها افتقاد الرئيس السيسى لكاريزما عبد الناصر وتوجهاته الاجتماعية التى سمحت له بالحصول على تأييد غالبية المصريين من الفقراء، فى نفس الوقت الذى تثار فيه مخاوف من السماح بوجود قوة سياسية معارضة كبيرة فى البرلمان كما كان الحال فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، حينما لعب الإخوان المسلمين دورا مهما فى المشهد السياسى، وانتزعت فيه النقابات ومؤسسات المجتمع المدنى والحركات الشبابية حقوقا أكبر فى الحركة فى الشارع، كما حصلت الصحف ووسائل الإعلام على حريات أوسع، خشية أن يؤدى تراكم حركات المعارضة إلى ثورة جديدة تستلهم وقائع ثورة يناير!.

نحن نقف على مفترق طرق لن ننتظر طويلا حتى نعرف أيا منها نختار – أو بالأحرى أيهما تختاره السلطة – هل نخطو أولى خطواتنا فى على درب ديمقراطية الأنياب والأظافر التى أسسها السادات وأودت بحياته، أم تغامر السلطة وتقترب من حدود الهامش الديمقراطى الذى كان متاحا أيام مبارك وأدى لسقوط نظامه؟!.

الأمر المؤكد الوحيد أن الشهور القليلة المقبلة ستكشف الاختيار الذى ستتبناه السلطة، وإن كانت كل المؤشرات تكاد تؤكد أنها ستظل بعيدة إجراء إصلاحات سياسية حقيقية تغلق أبواب اللعب فى الدستور، وتتبنى مواده التى تؤسس لنظام سياسى ديمقراطى حقيقى يضمن الاستقرار والتقدم لكل المصريين.