عفرين المجلس والأرض.. صياغة تركية جديدة للحدود

لم تتبلور مآلات العملية العسكرية التركية في عفرين بشكل تام، حتى أُقيم “مؤتمر إنقاذ عفرين” في غازي عنتاب جنوب تركيا، الذي تمخض عن “مجلس عفرين المدني” المُشكل تركيًّا من مكونات متعددة، يضمها شمال حلب، بأغلبية كردية ساحقة، وتنسيق مع الدولة التركية (وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء) ومع “الائتلاف السوري المعارض” في تركيا، الذي يمثل الإخوان المسلمين، ومعاملات مع منظمات إغاثية أغلبها محلي تركي تابع للعمل الاجتماعي لحزب العدالة والتنمية الإخواني الحاكم. وللمجلس 6 لجان فاعلة، هي: الإغاثية والقضائية والتعليمية والإعلامية والعلاقات العامة وإعادة المهجّرين، كما يشكل، حاليًّا، نواة جهاز شرطي صغير (450 عنصرًا) للمساهمة في السيطرة الأمنية مع القوات التركية، مما يستلزم تلقي الأسلحة والتدريبات، وهي مهمة لن تقوم بها سوى القوات الأمنية التركية بالتنسيق مع فصائل ما يعرف باسم الجيش السوري الحر، في تكرار للتجربة “الأمنية” التركية في مثلث جرابلس أعزاز الباب، المحتل تركيًّا شمال حلب، حيث شكلت تركيا جهازًا شرطيًّا كاملا منبثقًا عمن شاركوا في عملية درع الفرات ضد الكرد، وتشكل من إرهابيي الفصائل المصنوعة تركيًّا التي شاركت في الحرب السورية، ويبلغ عدده 5 آلاف مقاتل.

حمل البيان الختامي للمؤتمر وتوصياته صيغة لوضع المدينة ومحيطها، تعبر، إن تمت، عن تغير في الاستراتيجية التركية تجاه الأكراد، وتكشف أبعادًا أخرى لهدف تركي بدا منطقيًّا في بداية عملية “غصن الزيتون” لاحتلال عفرين، وهو حل الإدارة الذاتية الكردية في المنطقة وإنهاؤها، وبناء على تحقيقه ومع التوجه التركي الجديد على الأرض، بالتنسيق مع أكراد تابعين لتركيا، يتضح منطق تركي جديد بتحقيق نموذج على الأرض، هو أقل من تغيير ديموغرافي كامل وأكثر من مجرد سيطرة عسكرية وأمنية.

عفرين.. منطقة عازلة باردة

“عفرين جزء من سوريا، وستبقى من أجل السلم والأمان والاستقرار وتحييد المنطقة عن أهوال الحرب والدمار، ونشر روح التآخي والتعايش المشترك وحسن الجوار مع الدولة الجارة تركيا، وأن تكون عفرين عامل استقرار في المنطقة والبحث عن حلول سلمية لملء الفراغ الإداري فيها”.

مع ما يُفهممن الفقرة السابقة، الواردة ببيان المؤتمر، من أن “ضم” عفرين إلى إدارة تركية لا يعني فصلها عن سوريا، حيث تعمل الإجراءات التركية واقعًا على تعديل وتهيئة التشكيلة الاجتماعية نفسها لمنطقة عفرين، على عَجل، وبناء على طرد مسلحي القوى الكردية والإدارة الذاتية، من أجل أن يحكمها أكراد موالون للدولة التركية، تسيطِر من خلالهم على المنطقة بالوكالة، وبشكل أقرب للانتداب السياسي وليس الحضور العسكري الكثيف المباشر، تحت عنوان “المجلس” الذي يضم تمثيلاً ظاهريًّا للعرب السنة والعلويين والكرد الأزيديين والتركمان، إلى جانب الأكراد.

يكفل النمط الجاري تشكيله في عفرين فرض سيطرة ذات طابع اجتماعي حاكم على المنطقة، عوضًا عن فرض سيطرة عسكرية محضة، مع توطين لمئات من العرب والتركمان الموالين للدولة التركية، منهم عائلات عربية لعناصر الجيش السوري الحر، توازى مع منع آلاف العائلات الكردية من العودة إلى منازلها، فضلاً عن إجلاء 50 عائلة خرجت مع المسلحين من الغوطة الشرقية، حيث كانت سيطرة الفصائل الموالية لتركيا، إلى جنديرس، غرب عفرين، وانتقال قوات جيش الإسلام، المنسحب من الغوطة حاليًّا باتفاق مع الحكومة السورية والروس، إلى جرابلس، حيث طرف مثلث جرابلس أعزاز الباب، مما يفيد ضم تركيا للفصيل المدعوم والمسلح سعوديًّا ووضعه، جغرافيًّا، في مواجهة الجيب الكردي المدعوم أمريكيًّا في منبج، النقطة الأخيرة خارج السيطرة التركية في غرب الفرات.

يعبر العمل التركي الجديد في عفرين عن حل مبتدع للعقدة الكردية، وفقًا لتركيا، سهله عاملان: انسحاب سيطرة الدولة المركزية السورية عن أطرافها بانطلاق الحرب على سوريا، وتفكك وضعف القوى الكردية هناك، وقد رُفع الغطاء الأمريكي عنها أمام القوات التركية الغازية، وامتنعت عن إدخال قوات الدولة المركزية السورية. حل يقوم على إقامة تغييرات ديموغرافية محدودة، بإضفاء تجمعات سكانية غير موالية للقوى الكردية، وفرض هيكل إداري بديل يسحب بساط السيطرة والنفوذ من تحت أقدام تلك القوى، نحو إقامة “شرعية ثالثة” غير الإدارة الذاتية والدولة السورية، هي شرعية الأمر الواقع، أي السيطرة العسكرية والأمنية؛ مع استخدام لورقة “الحكومة السورية المؤقتة”، الكيان التركي المُنشأ في إسطنبول عام 2013 ومقره في غازي عنتاب، جنوب تركيا، على بعد 120 كيلو مترًا من عفرين، والذي سيشرف على المعابر الثلاثة نحو تركيا في المنطقة، كما سيضع المناهج التعليميّة لمدارس المنطقة.

بتراكم وضع متكامل لمنطقة عفرين، تديره تركيا مباشرة من خلال أداتها الحكومة السورية المؤقتة، تقوم الدولة التركية بقفزة سياسية خلف الحدود، تحاول من خلالها تبريد المشكلة الكردية باستيعاب اقتصادي وسياسي وأمني لن يكون مكلفًا، ويقوم على فرز حال السكان الأكراد ذاتهم وعوائلهم إلى موالٍ أو محايد ــ وآخر غير مرغوب فيه، نحو تشكيل وضع لا يسمح مرة أخرى بتوطين للسلاح الكردي وعناصر حزب العمال والإدارة الذاتية؛ وإقامة “أغلبية” لها طابع شعبي، مدعومة بالعرب المسلحين المنضوين تحت تركيا، تلتئم تحت المظلة التركية سياسيًّا واجتماعيًّا، وتعتمد عليها في الخدمات والمعيشة، ويديرها شكليًّا المجلس الذي يشكل الأكراد أغلبيته.

لن يطبق السيطرة التركية على الأرض، في هذا النموذج، القوات العسكرية والأمنية التركية الرسمية، بل فصائل الجيش السوري الحر وباقي الفصائل السورية المصنوعة تركيًّا، على النموذج الذي أقيم بالفعل في مثلث جرابلس أعزاز الباب المحتل تركيا شمال حلب، منطقة عملية درع الفرات؛ حيث ألزمت تركيا، في أكتوبر من العام الماضي، كافة الفصائل تلك بالاندماج في جيش نظامي واحد، هو مجموع من حارب الأكراد إلى جانب الجيش التركي في عملية درع الفرات، ويرتبط بـ”الحكومة السورية المؤقتة” التركية التي تشرف على المعابر نحو تركيا في المنطقة. بمعنى آخر، تستطيع الدولة التركية سحب قواتها ظاهريًّا، وبما يعفيها من احتكاكات سياسية في الأمم المتحدة، لصالح “مجلس عفرين” الذي ستمثل له الحكومة السورية المؤقتة حبلاً سُريًّا يمده بـ”الشرعية الدولية” اللازمة.

من إحدى الزوايا يمثل الربط السياسي بين إقليم غرب الفرات السوري الكردي من ناحية، والدولة التركية بهيكلها الإداري والأمني من ناحية أخرى، من خلال “الحكومة السورية المؤقتة”، ردًّا تركيًّا على مشروع “إقليم شرق الفرات” الأمريكي، الساعي لدفع وتشجيع القوى الكردية على الانفصال بالإقليم، تحت مظلة القواعد العسكرية الأمريكية هناك، رغم حديث ترامب عن الانسحاب عسكريًّا من سوريا، خاصة وأن الولايات المتحدة شكلت “مجلسًا مدنيًّا” في الرقة بعد طرد داعش منها، وهو بمثابة واجهة كردية (تضم أقليات أخرى) لفرض سيطرة سياسية أمريكية، تمامًا كمجلس عفرين ــ الواجهة المشابهة للسيطرة التركية.

من ناحية أخرى، تستطيع تركيا بخلق الوضع الجديد في عفرين تحقيق صيغة للتفاهم، من موقع قوة، مع الدولة المركزية السورية، على المدى الطويل، على أرضية مشتركة وحيدة هي مواجهة النفوذ الأمريكي الداعم للقوى الكردية، على اعتبار أن ما يهم تركيا إجمالاً هو تحييد السلاح والنفوذ الكردي عن حدودها، وهو ما تحقق جزئيًّا بعمليتي غصن الزيتون وقبلها درع الفرات، تحت غطاء روسي. وقد يشير الصمت السوري والروسي تجاه الإجراءات التركية في عفرين، حتى الآن، مع تأكيدات أنقرة بأنها ستسحب قواتها من عفرين وتصريحات “مجلس عفرين” حول نفس المعنى، إلى أن الوضع التركي الذي يتشكل على الأرض سيكون محل تفاوض مع الدولة المركزية السورية، التي تسيطر على مساحات معتبرة من محافظة حلب، والتي لم تستطع حل مسألة السلاح الكردي تحقيقًا لمصالح تركيا؛ مما قد يفضي إلى صيغة إدارة تركية سورية مشتركة على حساب القوى الكردية، التي ينسحب نفوذها الآن نحو شرق الفرات تحت المظلة الأمريكية.