رشيد رضا…. مٌريد وشيخان(2)

عندما تعرف رشيد رضا على الأستاذ الإمام كان يتنازعه اتجاهان اثنان، أولهما: هو توجه جمال الدين الافغانى الثورى الذى يدعو إلى التغيير الثورى والتحول المفاجىء، أما الاتجاه الثاني: فكان دعوة محمد ابن عبد الوهاب السلفية الجهادية، وعلى الرغم من أن جمال الدين الأفغانى لم يكن امتدادا لابن عبد الوهاب إلا أن القاسم المشترك بينهما كان هو الدعوة الى التغيير الثورى والجهادى، لكن مع  تعرف رشيد رضا على مدرسة الأستاذ الإمام حدث له نوع من التوازن الفكري، وكانت معرفة أهمية الدعوة المتأدة أهم ما أضافه الأستاذ الإمام لشخصية رشيد رضا، لكن هل بقي رشيد رضا وفيا لتعاليم محمد عبده أم عاد لأفكاره القديمة مخلصا للدعوة الوهابية بمناهجها الرجعية؟.

كان تأثير رشيد رضا على تراث الشيخ محمد عبده في مجمله سلبيا، إذ في البداية أصبح رشيد رضا بحكم الدعاية الواسعة التي صنعتها مجلته المنار ثم ما ارتبط به من جماعات دينية وسياسية ذات جماهيرية واسعة كأنصار السنة المحمدية، وجماعة الإخوان المسلمين- بمثابة التلميذ الأوحد للأستاذ الإمام وبترت في بعض الأوساط الثقافية والشعبية العلاقة التي جمعت بعض رموز التيار الليبرالي الذين ربطتهم علاقة أكثر متانة وأصالة بالأستاذ الإمام.

من ناحية أخرى مثل رشيد رضا بوابة ووسيط للتعرف على شخصية الأستاذ الإمام وتراثه العلمي ونتاجه الفكري والثقافي، فلقد حاول رضا من خلال مصنفه (تاريخ الأستاذ الإمام) الذي صدرت منه أكثر من طبعة بعد وفاته تقديم  الإمام محمد عبده الشيخ السلفى المجاهد الذى حٌورب من الجميع وخرج منتصرا ،وبمعنى آخر حاول رشيد رضا إبراز الجانب التراجيدى فى حياة محمد عبده، لكن لم يستطع أن يقترب بعمق من الجانب الفكرى للإمام.

مصطفى عبد الرازق(1885م – 1947م)

فى حين أن من يقرأ كتابات مصطفى عبد الرازق وعبد المنعم حمادة ومصطفى المراغى، وغيرهم ممن تناولوا في مؤلفاتهم شخصية وتراث الأستاذ الإمام يجدهم يتحدثون عن البعد العقلي والتوجيهي والإصلاحي وتقديم الإمام كفيلسوف أو حكيم لا مناضل ديني،  ويعود ذلك في نظر البعض إلى أنه على الرغم من قدرات رشيد رضا البلاغية والأدبية، ومعرفته المميزة بعلوم القرآن والحديث، إلا أنه كان مفتقدا للقدرة على التفكير المنهجى والمنظم.

غير أن هذا التفسير يفتقر للموضوعية من وجهة نظري، فلقد كان رشيد رضا على وعي كامل بطبيعة العباءة التي يحاول إلباسها للشيخ محمد عبده وتراثه، متعمدا إبرازه وفقا لتصوره الشخصى، وهو ما كان واضحا في التطور الذي ظهر واضحا على في توجه جريدة المنار، لاسيما بعد وفاة الأستاذ الإمام، فلقد تحولت المنار في المرحلة التالية لوفاة الشيخ محمد عبده إلى منبر  لنشر الفكر السلفى والطابع الجهادى، وليس أدل على ذلك من أن من خلف رشيد رضا فى تحرير مجلة المنار هوالشيخ حسن البنا، بالإضافة إلى أنها كانت منبرا لدعاة الفكر الوهابى وهو الجانب الأكثر خطورة في شخصية رشيد رضا .

اذ على الرغم مما كان يعلنه رشيد رضا عن نفسه بأنه ربى تربية صوفية على يد معلمه الأول الشيخ حسين الجسر،  الذى كان يقرأ عليه بعض مؤلفات كبار الصوفية، مثل: الفتوحات المكية لابن عربى ، وإحياء علوم الدين للغزالى، إلا أن المطالعة الدقيقة لكتب الشيخ رشيد  تكشف حجم العداء الذي كان يناصبه للمتصوفة باعتبارهم السبب الأول والأوحد لما آل إلية حال المجتمعات الإسلامية؛ لذلك لا يخلو حديث له من تفنيد حججهم ودحض مزاعمهم، فله مثلا مجموعة مقالات نشرها فى مجلد واحد أسماها (محاورات المصلح والمقلد والوحدة الإسلامية) يدور الموضوع فنيا على طريقة التوحيدى فى المقابسات، غير أن الحوار هنا بين اثنين فقط وليسوا مجموعة، فالمصلح شاب من الناشئة  ممن ظفروا بالعلوم العصرية إلى جانب العلوم الدينية، وهو فيما يبدو ليس سوى الشيخ رشيد نفسه، أما المقلد فمن الاسئلة التى يطرحها تعرف أنه ليس أكثر من شيخ من مشايخ المتصوفهة، ويظل السجال بينهما فيدحض فيها الكثير من مزاعم المتصوفة وقواعدهم المعرفية كقضية تأويل النصوص الدينيه، فيؤكد أنه لا تأويل فى الشريعة الإسلامية، وليس هناك سوى ظاهر النصوص، وبالطبع فإن مصادر هذة الفكرة معروف، حتى ينتهى الحوار دون الحديث عن كيفية تحقيق الوحدة الإسلامية.

الأخطر أن رشيد رضا لم يتورع باعتباره أمينا على تراث الأستاذ الإمام محمد عبده من إخفاء رسالة صوفية من مجموعة مصنفات الأستاذ الإمام، وهي رسالة في علوم التصوف بعنوان (الواردات الإلهية) بحجة أن الأستاذ الإمام قد تاب عن كل هذه الأمور في نهاية حياته، وهو ما أثبته الباحث التونسي محمد الحداد في أطروحته للدكتوراه حول محمد عبده .

في الوقت نفسه فقد أفرد الشيخ رشيد رضا  للدفاع عن الحركة الوهابية كتاب (الوهابيون والحجاز) ليدافع عن موقفي الحركة الدينى والسياسي، وهو يعد بحق البوابة الرئيسية لدخول الفكر الوهابي الى مصر من خلال مجلة المنار، التى قام بتأسيسها وكذلك من خلال مقالاته اليومية فى جريدة الأهرام، فهو يقول فى ذلك (فرأينا أن من الواجب علينا أن نبين لهم ما عندنا من العلم بذلك فى جريدة يومية واسعة الانتشار، فأنشأنا بضع مقالات نشرناها فى جريدة يوميه وفى مجلة المنار…فعلموا أن هؤلاء النجديين المنبوذون بلقب الوهابية سنيون مستمسكون بمذهب السلف فى العقائد، ومذهب الإمام أحمد ابن حنبل فى الفروع وأنهم أشد شعوب المسلمين فى هذا العصر اتباعا وأبعدهم عن الابتداع)

طلعت باشا حرب(1867 – 1941)

وأخيرا فإنه على الرغم مما كان للأستاذ الإمام من شرائح واسعة من التلاميذن مثل: سعد زغلول وحفني ناصف وعلى    عبد الرازق ومصطفى عبد الرازق ومصطفى المراغى، يختلفون في توجهاتهم إذ لا تعدم بينهم من دعى لفصل الدين عن الدولة، ونفى وجود الخلافة كأصل من أصول الإسلام كعلي عبدالرازق، وهناك من أسس استديوهات السينما ودعم الغناء وأسس بنك مصر كطلعت باشا حرب،  وقد استفادوا في ذلك جميعا من تعاليم الإمام الذى لم ير تعارضا بين بين بناء مجتمع مدني حديث وبين الإسلام، إلا أنه لم تحظ علاقة أحدهم بالأستاذ الإمام بشهرة العلاقة التي جمعت بين محمد عبده ورشيد رضا، ويعود السبب في ذلك إلى تلك القاعدة الشعبية الواسعة التي صنعها تتلمذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين على يديه، وبالتالى أصبح كل أعضاء جماعة الاخوان تلامذة غير مباشرين لرشيد رضا ودعاة مزيفون للحقائق في كثير من الأحيان.