دا سيلفا.. صانع النهضة البرازيلية «سجين سياسي»

عادت قضية الرئيس البرازيلي الأسبق، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، إلى واجهة الأحداث من جديد؛ بعدما اختار تسليم نفسه للسلطات البرازيلية، مساء السبت، وسط انقسام حاد في البلاد، وفي وقت تستعد فيه البلاد لانتخابات رئاسية من المقرر إجراؤها في أكتوبر المقبل، لكن اعتقال دا سيلفا سيعيد خلط الأوراق في أحد أكثر الاقتراعات صعوبة لجهة توقع النتائج منذ عقود.

ونقلت السلطات البرازيلية الرئيس الأسبق، وأحد أهم قادة اليسار في أمريكا اللاتينية، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بالطائرة إلى مدينة كوريتيبا، حيث سيتم سجنه هناك ليقضي عقوبة 12 عامًا وشهر بتهمة التربح واستغلال النفوذ وغسيل الأموال، وقالت قناة “جلوبو” التليفزيونية، إنه تم نقل دا سيلفا من المطار بالمروحية إلى مبنى الشرطة الفيدرالية بمدينة كوريتيبا، حيث تم إعداد زنزانة مؤقتة له، بعدما سلم الرئيس البرازيلي الأسبق نفسه للشرطة، وترك نقابة عمال الصلب التي لجأ إليها قبل يومين، وفي خطاب ناري أمام حشد من المؤيدين ارتدوا قمصانًا حمراء خارج مقر نقابة عمال الصلب، أصر لولا، على براءته ووصف إدانته بالرشوة بأنها جريمة سياسية، لكنه أعلن أنه سيسلم نفسه للسلطات.

ويأتي اعتقال دا سيلفا في الوقت الذي اندلعت فيه اعتراضات شعبية دفاعًا عن الرئيس السابق، حيث تجمع حشد من الناس بالقرب من مقر الشرطة للاحتجاج على اعتقاله، لكن الشرطة شبه العسكرية استخدمت قاذفات القنابل الخفيفة والرصاص المطاطي لتشتيتهم، فيما أدت المظاهرات التي انطلقت تأييدًا له إلى تعطيل حركة المرور في المدن الرئيسية في البرازيل، وانطلقت دعوات للمزيد من التجمعات في عشرات المدن بعد اعتقاله.

عدة أعوام في المحاكم

يأتي اعتقال دا سيلفا بعد سنوات من الشد والجذب على خلفية اتهامه من قبل السلطات البرازيلية بعدة تهم فساد وغسيل أموال، ففي 6 أبريل عام 2013، فتح المدعي الفيدرالي تحقيقًا بشأن مزاعم بتورط الرئيس الأسبق في مخطط شراء أصوات في البرلمان جرى عام 2005، وأدى إلى محاكمة متورطين في فساد، بيد أن “دا سيلفا” أنكر مرارًا معرفته بعملية شراء الأصوات في هذه الفضيحة التي عرفت باسم “مينسال”.

وفي 4 مارس عام 2016، دهمت الشرطة البرازيلية منزله في ساو باولو واقتادته للاستجواب في إطار التحقيق بشأن فضيحة فساد تتعلق بشركة “بتروبراس” العملاقة الحكومية للنفط، واتهمته الشرطة بتلقي رشاوى وأموال من كسب غير مشروع وارتكابه عمليات غسل أموال، وفي 18 من الشهر نفسه، أصدر قاضٍ في المحكمة العليا حكمًا يقضي بمنع تعيينه في أي منصب وزاري في حكومة الرئيسة آنذاك، ديلما روسيف، التي عينته في منصب “كبير موظفي الرئاسة”، واعتبر القاضي أن هذا التعيين “يرمي إلى حماية دا سيلفا من الاتهامات التي وجهتها له النيابة العامة بغسل أموال”.

في 15 سبتمبر عام 2016، اتهم الادعاء العام دا سيلفا بأنه كان جنرالًا قاد فضيحة الفساد الأضخم في تاريخ البرازيل على الإطلاق لإبقاء حزب العمال اليساري في السلطة، وأضاف أن العملية شملت شركة بتروبراس وفروعها ووزارتي التخطيط والصحة وبنك الادخار الحكومي “كايشا إيكونوميكا” وهيئات حكومية أخرى.

في يوليو عام 2017، أصدرت محكمة برازيلية حكمًا بالسجن بحق دا سيلفا لمدة 9 سنوات ونصف، وفي يناير الماضي، أيدت محكمة الاستئناف في “بورتو أليجري” الإدانة، بل ورفعت فترة السجن من تسعة أعوام ونصف إلى 12 عاما وشهر، فيما أنهت المحكمة العليا في البرازيل الجدل، الأربعاء الماضي، بعد رفضها التماسًا قدمه محاميه لإرجاء تنفيذ حكم الحبس صادر بحقه، إلى حين استنفاد الطعون عليه، الأمر الذي جعل السياسي البرازيلي الأشهر على أبواب السجن، فيما أمهل القاضي البرازيلي، سيرجيو مورو، الرئيس الأسبق، حتى بعد ظهر الجمعة الماضية لتسليم نفسه، وقال القاضي إنه: بالنظر إلى المنصب الذي شغله، ستتاح للولا إمكانية تسليم نفسه طواعية إلى الشرطة الفيدرالية في كوريتيبا، حتى الساعة 17,00 بالتوقيت المحلي، في السادس من أبريل الجاري، ومنع القاضي الشرطة من استخدام الأصفاد تحت أي ذريعة أثناء اعتقاله.

وفي صباح أول أمس السبت، حاولت الحشود التي تجمعت أمام مقر نقابة عمال التعدين في مدينة “سان برناردو دو كامبو” منع الرئيس الأسبق من تسليم نفسه للشرطة، حيث لم يسمح أنصاره لسيارته بأن تتحرك من مكانها، مما اضطره للعودة إلى المبنى في نهاية المطاف.

دا سيلفا.. من ماسح أحذية إلى رمز للنضال

ولد لولا دا سيلفا في 27 أكتوبر عام 1945 في أسرة فقيرة جدًا، حتى أن ظروف حياته جعلته يتلقى القليل من التعليم الرسمي، إذ تعلم القراءة والكتابة في سن العاشرة، وترك المدرسة ولا يزال في المرحلة الابتدائية لإعالة أسرته، حيث بدأ العمل في سن الثانية عشرة كماسح أحذية وبائع متجول، وفي سن 14 سنة، التحق للعمل بمصنع للنحاس، ثم عمل في ورشة للسيارات وخلال عمله تعرض لإصابة منعته من استكمال العمل، حيث انقطع الإصبع الصغير ليده اليسرى ولم يتمكن من تلقي العلاج.

في نهاية السبعينات، حيث كانت البرازيل تحت الحكم العسكري، انضم دا سيلفا إلى اتحاد العمال ذي الوجهة اليسارية، في مقابل الحكومة العسكرية واتحاد التجارة الذين كانوا يملكون السلطة والثروة في البلاد، وحاول لولا الدفاع عن حقوق العمال وانتخب كرئيس لاتحاد عمال الصلب مرتين عام 1975 و1978، وحينها كانت الدولة منهارة اقتصاديًا تمامًا، لكنه شارك في الكثير من الفعاليات السياسية والمظاهرات، وأودع السجن مرارًا.

في عام 1980، اجتمع مجموعة من الأكاديميين والمفكرين وقيادات اتحاد العمال ومنهم دا سيلفا وأسسوا حزب العمال لمواجهة الحكومة العسكرية المستبدة، وفي عام 1984، شن الحزب حملة موسعة للمطالبة بانتخاب الرئيس بطريقة الاقتراع الشعبي المباشر، إذ كان الوضع القائم طبقا للدستور أن يختار الرئيس بواسطة أعضاء الكونجرس ومحافظي الأقاليم، وكان دائمًا يصل جنرال متقاعد إلى سدة الحكم، لكن حملة دا سيلفا ورفاقه باءت بالفشل مرارًا لتنجح أخيرًا في عام 1989، حيث أصبح انتخاب الرئيس بالاقتراع الشعبي المباشر.

ترشح دا سيلفا لرئاسة إقليم ساوباولو عام 1982 وفشل، لكنه فاز بمقعد الكونجرس عام 1986، ونجح حزب العمال بقيادته في صياغة دستور جديد للبرازيل يؤكد على مدنية الدولة وحقوق العمال، وترشح دا سيلفا لرئاسة الجمهورية عام 1989، لكنه فشل مجددًا في الوصول إلى سدة الحكم، حيث اعتبرته النخبة السياسية حينها متطرفًا يساريًا لا يؤتمن على استقرار البلاد، لكنه أعاد المحاولة مرة ثانية في عام 1994، ولم ينجح أيضًا، ومرة ثالثة في عام 1998، وفشل مجددًا، وبعدها توقف عن الترشح للانتخابات لعدة سنوات ليتفرغ لتقوية حزب العمال على مستوى البرازيل كلها.

عام 2002، نجح دا سيلفا في الوصول إلى سدة الحكم، وفي 30 أكتوبر عام 2006، أُعيد انتخابه مجددًا بنسبة تخطت الـ60%، واختار في ولايتيه الرئاسيتين منهجًا إصلاحيًا وتخلى عن المواقف الأيدولوجية واتجه نحو البراجماتية في تحقيق الأهداف، ورغم انتماءاته اليسارية إلا أنه كان متقبلًا لجميع التيارات السياسية ومتعايشًا ومتعاونًا معها، ما أعطاه ثقة ومحبة الجميع وسهل له تنفيذ مشروعاته الإصلاحية التنموية، حيث ركز دا سيلفا على نوعين من البرامج الأساسية؛ الأول الإصلاح الاقتصادي، والثاني الإصلاح الاجتماعي.

أحدث الرئيس البرازيلي الأسبق تغييرات في نظام الضرائب وقوانين العمل ليشجع الاستثمار المحلي والخارجي، وطهر القضاء من الفساد، وأجرى إصلاحات جذرية في التعليم الجامعي ليتوافق مع النهضة المجتمعية، وأصبحت حكومته محل ثقة الحكومات والشركات فانهالت الاستثمارات الخارجية على البرازيل، وزادت معدلات النمو بشكل واضح وتراجع الفقر وتراجعت البطالة بشكل مضطرد، واستطاع أن ينقل البرازيل من دولة عليها أكبر دين في العالم إلى دولة تشكل سابع أقوى اقتصاد في العالم الحديث، والأكبر على الإطلاق في أمريكا الجنوبية، وبفضله خرج 30 مليون برازيلي من دائرة الفقر الحاد، واختير عام 2010 من ضمن مائة شخصية يعتبروا الأكثر تأثيرًا في العالم واعتبر أنجح سياسي في وقته.

وظل لولا دا سيلفا في منصب الرئيس حتى يناير عام 2011، وبعدما انتهت فترته الرئاسية، قال إنه لا يمكن تعديل الدستور ليتمكن من أن يترشح للمرة الثالثة، وحينما طالبه الشعب بالاستمرار قال “ناضلت قبل عشرين سنة، ودخلت السجن لمنع الرؤساء من أن يبقوا في الحكم أطول من المدة القانونية، كيف أسمح لنفسي أن أفعل ذلك الآن”، وكانت شعبيته بمستوى 80% عند مغادرته السلطة، بسبب البرامج الاجتماعية الطموحة التى طبقها خلال ولايتيه الرئاسيتين والتى أخرجت ملايين البرازيليين من الفقر.

في يونيو عام 2017، عقد حزب العمال البرازيلي بزعامة دا سيلفا، مؤتمره الوطني وسط آمال بأن يتمكن لولا من تمثيل حزبه فى الانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث أظهرت استطلاعات الرأي حينها أن الرئيس الأسبق يملك أفضل الحظوظ للفوز في الانتخابات، وهو ما عول عليه السياسيون من حزب العمال لنهوض حزبهم من جديد على يده بعد صدمة إقالة الرئيسة السابقة، ديلما روسيف، في عام 2016، وهي الإقالة التي وضعت حدًا لـ13 عامًا من حكم يساري في البرازيل.

رأى السياسيون من حزب العمال أن التهم الموجهة إلى دا سيلفا تأتي في إطار الاعتداء الذي يشنه البعض على حكم العماليين، ومحاولة لإزاحة المرشح الأقرب للوصول إلى رئاسة البرازيل، خاصة أن استطلاع للرأى نشر نتائجه معهد “داتا فولها” حينها، أظهر أن “لولا” يحظى بأكثر من 30% من نوايا الأصوات فى الدورة الأولى.

يبدو أن محاولات السلطات البرازيلية إنهاء أسطورة دا سيلفا المتحدر من صفوف العمال والكادحين، ستبوء بالفشل، فالسجن إن تمكن من إزاحة الرئيس البرازيلي الأسبق من الساحة السياسية، إلا أنه لن يتمكن من طمس إنجازاته، فرغم اتهامه في 6 قضايا فساد، إلا أنه لا يزال السياسي الأشهر في البلاد والذي يملك قاعدة شعبية غير مسبوقة في البرازيل.