تأجيل «كامب ديفيد».. فشل أمريكي في حل الأزمة الخليجية أم تباطؤ؟

يبدو أن الأزمة الخليجية لم تصبح هامشية فقط لطرفي النزاع، مثلما ظهر في تصريحات متكررة لمسؤوليهم، بل أصبحت هامشية أيضًا بالنسبة للدول التي تصور نفسها على أنها وسيط محايد ونزيه ومعني بحل الأزمة التي قاربت على إتمام عامها الأول، فرغم تصاعد التوترات بين دول المُقاطعة، السعودية والإمارات والبحرين، من جانب وقطر من جانب آخر، وتزايد الملاسنات ووصول الأمر إلى حد تقديم الشكاوى في الهيئات الأممية، إلا أن أمريكا لا تزال عاجزة عن تقريب وجهات النظر بين حلفائها، إن لم تكن ترغب بالأساس في استمرار الأزمة التي زعمت مرارًا أنها تبذل جهودا حثيثة لإنهائها.

تأجيل “كامب ديفيد”

أفاد البيت الأبيض بأن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أجرى اتصالين هاتفين، أول أمس؛ أولهما مع الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، وثانيهما مع أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني؛ لمناقشة الأزمة بين الرياض والدوحة، وذكر البيت الأبيض في بيان أن “ترامب تحدث مع الملك عن الخلاف في مجلس التعاون الخليجي مع قطر، بالإضافة إلى قضايا إقليمية أخرى، بما في ذلك سوريا واليمن”.

وأضاف البيان “الرئيس الأمريكي ناقش مع أمير قطر التهديد الذي تشكله إيران، والعوائق التي تقف أمام استرجاع الوحدة في مجلس التعاون الخليجي، مؤكدًا أيضًا على أهمية حل الخلاف بين الدوحة والدول المقاطعة لها”، وذكر أن ترامب “شكر الأمير على التزامه باستعادة وحدة دول مجلس التعاون الخليجي، وتابع “الرئيس والأمير أيدا أهمية الوحدة للتعامل مع التهديدات الأمنية والتأكيد على ازدهار شعوب المنطقة، وأردف شكر ترامب للأمير بالتزام قطر المستمر بمكافحة تمويل الإرهاب والتشدّد”.

بعد ساعات قليلة من الإعلان عن إجراء الرئيس الأمريكي الاتصالين الهاتفيين بالملك السعودي والأمير القطري، أعلن مسؤولون أمريكيون، إن إدارة الرئيس دونالد ترامب، ستؤخر موعد قمة “كامب ديفيد” إلى شهر سبتمبر المقبل، المقرر عقدها في مايو المقبل مع زعماء دول الخليج، وأضاف المسؤولون أن “قرار تأجيل قمة مايو، مع زعماء دول مجلس التعاون الخليجي الست، يعكس جدولًا دبلوماسيًا مزدحمًا، وحقيقة أن الرئيس ترامب بلا وزير للخارجية، لحين تأكيد مجلس الشيوخ تعيين مدير وكالة المخابرات المركزية الحالي مايك بومبيو في المنصب”.

عجز أمريكي أم تباطؤ؟

رغم تأكيد المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض أن “التأخير لا يرتبط بالتوتر بشأن قطر، وأن الرئيس ترامب ملتزم بحل النزاع الخليجي هذا الشهر”، إلا أن العديد من المراقبين ربطوا هذا التأجيل بفشل واشنطن في إحراز أي تقدم يذكر في مسألة الخلافات المشتعلة بين السعودية والإمارات والبحرين من جانب وقطر من جانب آخر، وهو ما أكده مسؤول أمريكي كبير، رفض الكشف عن اسمه، قائلا إنه جرى بحث التحضير لقمة كامب ديفيد خلال زيارة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لواشنطن، لكن إدارة ترامب وبناء على المناقشات التي جرت مع ولي العهد، لم تجد أي مؤشرات لحدوث تقارب بين أطراف النزاع، الأمر الذي يبعث على التشاؤم من حل الأزمة في القريب العاجل.

على جانب آخر، رأى العديد من المراقبين أن أمريكا التي أشعلت فتيل الأزمة الخليجية خلال تواجد ترامب في المملكة السعودية عقب نصيبه، تملك العديد من أوراق الضغط على طرفي النزاع سواء السعودية أو البحرين أو الإمارات أو قطر، تمكنها من حل الأزمة بين ليله وضحاها، لكن اقتراب الأزمة من إتمام عامها الأول يرجع لكون واشنطن لا ترغب في تصفيتها من الأساس، ولِمّ لا والطرفين المتنازعين يلهثان وراء كسب ودها وتأييدها، سواء من خلال الصفقات العسكرية التي تستولى فيها الولايات المتحدة على مليارات الدولارات من الخزائن الخليجية، أو من خلال الدعم السياسي والدبلوماسي وتطويع المنطقة الخليجية بأكملها لتنفيذ مخططات وأوامر أمريكا.

تصاعد التوترات

الفشل الأمريكي في حلحلة الأزمة الخليجية طوال تسعة أشهر مضت، سواء كان بسبب عجز حقيقي أو تباطؤ، يأتي في الوقت الذي تتصاعد فيه الملاسنات والخلافات بين الطرفين، فلم تعد أي من دول النزاع تبدي اهتمامها بحل الأزمة أو ترسل مؤشرات ولو ضعيفة على سعيها لتقديم تنازلات، وهو ما ظهر مؤخرًا في تصريحات وزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد آل خليفة، الذي تحدث عن أزمته مع جيرانه وكأنها شيئا هامشيا لا يستعني الاهتمام، حيث قال على هامش مشاركته في منتدى الإعلام العربي الـ17 الذي انطلقت أعماله الثلاثاء الماضي في الإمارات، أنه “لا يمكن الحديث عن حل لأزمة قطر في الظروف الراهنة، لكن ما يحصل في السعودية من تطور وانفتاح هو أهم ما يحدث في المنطقة”، وأضاف الوزير البحريني أن علاقات بلاده بالسعودية قديمة وحلف متجذر، مشيدًا بالعلاقات الأسرية القديمة بين العائلتين الحاكمتين في المملكتين.

التصريحات البحرينية سبقها بأسابيع تصريحات أكثر حديه من ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، حيث قال عن الأزمة القطرية خلال زيارته إلى القاهرة في مطلع مارس الماضي، “لا أشغل نفسي بها، ومَنْ يتولى الملف أقل من رتبة وزير، وعدد سكانها لا يساوي شارعًا في مصر، وأي وزير عندنا يستطيع أن يحل أزمتهم”، مضيفًا: “مَنْ يتولى الملف القطري هو زميل عزيز في الخارجية بالمرتبة 12، إضافة للمهام الموكلة له”.

في إطار تصاعد مؤشرات اشتعال الأزمة بين الدول الخليجية، فقد أعلنت الإمارات، الاثنين الماضي، أنها قدمت شكوتين ضد قطر، إحداهما لدى المنظمة الدولية للطيران المدني، والثانية لدى رئيس وأعضاء مجلس الأمن، متهمة مقاتلات قطرية باعتراض طائرات مدنية إماراتية، بعدما أعلنت أبوظبي الأسبوع الماضي، أن طائرتين مقاتلتين قطريتين اقتربتا بصورة خطيرة من طائرة ركاب تجارية وأخرى مروحية مدنية، في حادثة هي الثانية من نوعها، فيما وقعت حادثة شبيهة في منتصف شهر يناير الماضي.

في المقابل، كانت قطر تقدمت بشكاوى للأمم المتحدة في مارس الماضي، عن 5 خروقات جوية إماراتية وقعت في 4 مارس الماضي و25 فبراير الماضي، و14 و3 يناير الماضيين، و21 ديسمبر 2017، إضافة إلى شكوتين عن خروق بحرينية وقعت في 28 فبراير الماضي، و25 مارس الماضي، كما سبق أن اتهمت قطر الإمارات في مطلع مارس الماضي باحتجاز قارب صيد وإجبار ثمانية أشخاص كانوا على متنه على دخول المياه الإقليمية الإماراتية تحت تهديد السلاح.