الماء والسلام في الشرق الأوسط

نشرت صحيفة “Register-Guard” الأمريكية مقالا حول أزمة المياه في الشرق الأوسط وعلاقتها بإثارة مزيد من الصراع وعدم الاستقرار في المنطقة المضطربة بالفعل.

يقول المقال أن الشرق الأوسط منطقة غنية بالنفط لكنها فقيرة بالمياه، حيث تعد أربعة عشر بلداً من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بين أكثر 33 دولة في العالم تعاني من الاستنفاذ المائي.

لقد أدى تغير المناخ والجفاف والنمو السكاني إلى زيادة الطلب على المياه في هذه المنطقة، مما غذى الصراعات وعدم الاستقرار. أدت الصدامات بشأن الوصول إلى المياه إلى تفاقم وضع الشرق الأوسط المتقلب بالفعل وأصبحت ندرة المياه بالنسبة لكثير من البلدان قضية أمن قومي.

يعتمد الشرق أوسطيون على أربعة مصادر رئيسية للمياه هم: المياه الجوفية وهطول الأمطار والأنهار ومياه البحر المحلاة. لكن بسبب تغيرات المناخ تقل فرص هطول الأمطار تدريجيا، كما تتسرب المياه الجوفية بمعدلات مزعجة. وتعتمد دول الخليج العربي الغنية بالنفط بشكل متزايد على تحلية مياه البحر.

جفاف أرض زراعية

قبل الآلاف السنين، شهدت التربة الخصبة لمنطقة الشرق الأوسط، التي كانت تعرف باسم مهد الحضارة، ميلاد الزراعة. اليوم، في تحول مثير، معظم البلدان في المنطقة هي مستوردة صافية للغذاء، لاسيما الحبوب. تستورد مصر، على سبيل المثال، 90% من قمحها من روسيا.

وتعد المنافسة على الاستحواذ على موارد المياه عاملاً مهماً في النزاعات العابرة للحدود. فالنمو الكبير في عدد السدود هو أحد أعراض كيف أصبحت مسألة المياه بالنسبة لبعض البلدان قضية أمن قومي ومصدرا للصراع.

تتركز الصراعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أحواض الأنهار الرئيسية الثلاثة: النيل ودجلة والفرات والأردن. هذه الأحواض النهرية الكبيرة مشتركة بين دولتين أو أكثر.

تقع منابع النيل في إثيوبيا ووسط أفريقيا وتندمج في الخرطوم، السودان. وباعتبارها دولة مصب النهر، فإن مصر تعتمد كليا على نهر النيل. وعلى مدى قرون، استخدمت مصر نفوذها لحماية ما تراه حقوقها التاريخية في المياه.

لكن بناء سد النهضة الأثيوبي يسبب القلق في القاهرة. فبينما ترى إثيوبيا أن السد، الذي سيكون الأكبر في إفريقيا، هو المفتاح لمستقبلها الاقتصادي، قد يعني هذا السد بالنسبة لمصر نقصاً في المياه فضلاً عن تضاؤل في نفوذها السياسي في إفريقيا.

سد النهضة الإثيوبي

وبالنسبة لنهري دجلة والفرات، يشكل نظام النهرين مصدرا مستمرا للصراع بين الدول المتقاسمة لهما. تقع منابع المياه في المناطق الجبلية في جنوب شرق تركيا، وهي منطقة يقطنها الأكراد إلى حد كبير. واستخدمت تركيا موقعها الاستراتيجي كدولة منبع للانخراط في سياسات القوة للحفاظ على النفوذ على جيرانها الجنوبيين ولإدارة سكانها الأكراد البالغ عددهم حوالي 15 مليون نسمة.

وقد أدى نظام تركيا المكثف للاستحواذ على المياه عبر حوالي 1000 سد إلى نقص في المياه في أجزاء من سوريا والعراق وإيران. أحد مشاريع السدود الأكبر والأكثر إثارة للجدل في تركيا هو مشروع “جنوب شرق الأناضول GAP“، الذي يهدف إلى توسيع الرقعة الزراعية وتوليد الكهرباء عبر بناء 21 سد ونفق على مجريي نهري دجلة والفرات في تسع مقاطعات ذات أغلبية كردية.

ولعل أكثر السدود المثيرة للقلق في المشروع هو سد “إليسو”، الذي يهدد بتخفيض  تدفق المياه إلى مجرى النهر. كما يتسبب في ضرر إيكولوجي لحوض نهر دجلة وأيضا سيغرق خزانه قرى ريفية، مما يجبر الآلاف – غالبيتهم من الأكراد- على الانتقال. يؤكد الأكراد أن مشاريع سدود أنقرة تهدف إلى تدمير هويتهم الكردية وإضعاف حزب العمال الكردستاني المحظور.

وتشعر سوريا والعراق وإيران بالقلق من أن سد “إليسو” سيقلل بشدة من تدفق النهر، مما يؤثر على وارداتهم المائية ويؤدي إلى مزيد من تآكل التربة وزيادة ملوحة المياه. سيقلل سد “إليسو” تدفق المياه إلى العراق بنسبة تقرب من 56%.

سد أليسو التركي

كذلك سدود إيران – أكثر من 600 سد – لديها القدرة أيضا على إثارة الشقاق العابر للحدود. مشاريع مثل سد داريان – وهو سد ضخم على نهر ديالي، أحد روافد نهر دجلة ويمر عبر إيران والعراق – سيقلل إمدادات المياه إلى إقليم كردستان العراق بنسبة 60%.

كما يهدد بناء أفغانستان لسد “كمال خان” على نهر هلمند بإشعال نزاع على المياه مع جارتها إيران، التي تشعر بالقلق من مدى بطء جريان نهر هلمند على حدودها مع أفغانستان بسبب هذا السد، وبالتالي يمكن أن يزعزع استقرار محافظات إيران الجنوبية ذات الأغلبية السنية.

وفي ليبيا، كان قد بدأ معمر القذافي واحدة من أكبر مشاريع هندسة الري في العالم بهدف جلب مياه الشرب والري من المياه الجوفية إلى المدن والمزارع في جميع أنحاء ليبيا لتخليص بلاده من شبح الجفاف، في مشروع ضخم أطلق عليه “النهر الصناعي العظيم”.

وكانت الشبكة الواسعة من الآبار وخطوط الأنابيب تحت الأرض قد تم إنجازها بنسبة 70% في الوقت الذي تم فيه الإطاحة بالقذافي عام 2011. وعلى نحو لا يمكن تفسيره، قصفت طائرات الناتو تلك الشبكة بالإضافة إلى منشأة لتصنيع الأنابيب في يوليو 2011.

النهر الصناعي العظيم في ليبيا

كما تسببت سياسات المياه الإسرائيلية دائما في إثارة الصدامات، حيث مصادرة ومراقبة الموارد المائية في مرتفعات الجولان والضفة الغربية وغزة هي عنصر أساسي لتحقيق طموحات صهيونية مبكرة.

أدرك الصهاينة مؤسسو إسرائيل في القرن التاسع عشر أن حلمهم بوطن مستقبلي في فلسطين سيكون مستدامًا فقط إذا استحوذوا على صحراء النقب وجميع الموارد المائية لفلسطين وأجزاء من الأردن- الأمر الذي يعني السيطرة على منابع نهر الأردن ومياه الجنوب اللبناني، نهر الليطاني.

بعد عام 1948 مباشرة، أطلقت إسرائيل خططها للهيمنة على موارد المياه في المنطقة. بدأت في عام 1953 بناء شركة الناقل الوطني للمياه – وهي منظومة من الأنفاق والقنوات تهدف إلى نقل المياه من نهر الأردن العلوي إلى المستوطنات في النقب والمناطق الساحلية.

في عام 1963، بدأت إسرائيل في ضخ المياه من بحيرة طبريا-  بحيرة عذبة في فلسطين تقع بين منطقتي الجليل والجولان التاريخية على الجزء الشمالي من مسار نهر الأردن –  إلى الناقل الوطني للمياه، مما يشكل تهديدًا خطيرًا لموارد المياه السورية واللبنانية والأردنية. في عام 1964، ردت سوريا بمحاولة تحويل المياه إلى أراضيها.

في مذكراته، كشف آرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، أن حرب 1967 قد بدأت رداً على خطة سوريا لإعادة توجيه منابع نهر الأردن، حيث هاجمت إسرائيل مواقع البناء داخل سوريا في نفس العام، مما أدى إلى اندلاع حرب الأيام الستة عام 1967.

أعلنت إسرائيل أن الموارد المائية في مرتفعات الجولان المحتلة والضفة الغربية وقطاع غزة هي ملك للدولة، مما يضعها تحت سلطة عسكرية كاملة. ومن خلال ضم هضبة الجولان، حصلت إسرائيل على هيمنة مباشرة على منابع نهر الأردن، واستوفت التصاميم الصهيونية السابقة.

في الضفة الغربية، تسيطر شركة المياه الإسرائيلية “ميكروت” على البنية التحتية للمياه وموارد المياه الجوفية هناك، مما يجبر الفلسطينيين على الاعتماد عليها لتلبية احتياجاتهم من المياه. تقوم شركة ميكروت بشكل روتيني بتخفيض إمدادات المياه للفلسطينيين بل وتبيع لهم المياه الخاصة بهم بأسعار مضخمة.

يتم حجب المياه باستمرار عن المجتمعات الفلسطينية، لاسيما في المناطق المحددة للتوسع الاستيطاني لإثارة النزوح. هناك القليل من المياه للاستهلاك البشري، ناهيك عن ري الحقول الفلسطينية القليلة المتبقية التي لم يتم مصادرتها بعد.

كما تطمع إسرائيل منذ تأسيسها في مياه جنوب لبنان، نهر الليطاني، ومزارع شبعا، وهي منطقة تقع على الحدود بين لبنان وهضبة الجولان. وتشير السجلات التاريخية من الخمسينيات إلى أن موشيه دايان، رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي آنذاك، ومسؤولون إسرائيليون آخرون لطالما رغبوا في ضم جنوب لبنان حتى نهر الليطاني إلى الحدود الإسرائيلية.

وللسيطرة على نهر الليطاني، اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان عام 1978 ومرة ​​أخرى عام 1982 وانسحبت أخيراً في عام 2000 تحت ضغط عسكري من حزب الله. لكن تصميم إسرائيل على الاستحواذ على نهر الليطاني والاحتفاظ بسيطرتها على مزارع شبعا في جنوب لبنان لا يزال يشعل الاضطرابات مع لبنان.

انسحاب اسرائيل من لبنان سنة 2000

تتفاقم مشكلة ندرة المياه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بسبب الأضرار البيئية المروعة التي سببتها عقود من الحروب، حيث تتشبع معظم تربة المنطقة برصاص الذخائر التي يؤثر تراكمها سلبياً على نوعية المياه الجوفية.

أصبح الحفاظ على إمدادات كافية من المياه النظيفة هو التحدي الاقتصادي والأمني ​​الأكثر إلحاحًا في المنطقة، لذلك هناك حاجة ماسة إلى معاهدات لحماية مصادر المياه المشتركة.

ولأن المياه لا تعرف حدودا سياسية أو ثقافية، يجب على قادة المنطقة التفكير بما يتجاوز الحدود السياسية ونطاق الاهتمام الذاتي وإدراك أن المياه لا تنتمي إلى دولة بعينها وأن الحصول على المياه النظيفة حق أساسي من حقوق الإنسان يجب تأمينه.

إن القضية الحاسمة بالنسبة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي عما إذا تضاؤل ​​موارد المياه سيتحول إلي سبب للمنافسة، مما يؤدي حتمًا إلى الصراع، أو سبب للتعاون، مما يؤدي إلى السلام.

لقراءة المقال الأصلى: اضغط هنا

Water and peace in Middle East