«السيناريو العراقي» يتكرر في سوريا.. ومعركة سياسية تسبق العدوان

طالما استخدمت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها بريطانيا وفرنسا، الذرائع والحجج والمبررات الواهية للتدخل في الدول العربية وتخريبها وشرذمتها شعبًا وجيشًا، دون الأخذ في الاعتبار القوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية، ودون انتظار حتى التقارير التي تثبت ذرائع تلك الدول، فمن أفغانستان إلى ليبيا مرورًا بالعراق واليمن ولبنان، وصولًا إلى سوريا، ولا تزال القائمة تطول والذرائع تتعدد والجرائم تتصاعد.

سوريا.. السيناريوهات تتكرر

بحثت أمريكا طويلًا عن ذرائع للتدخل في سوريا لتنفذ مخططاتها التدميرية على غرار ما فعلته بالعراق وأفغانستان وليبيا وغيرها، لكن بعد مرور 7 سنوات من عمر الأزمة واندحار التنظيمات الإرهابية المسلحة وعلى رأسها “داعش” و”النصرة” اللذان كانت تراهن عليهما واشنطن وحلفاؤها في تنفيذ مخططاتهم، أدرك المعسكر الأمريكي فشله هناك وتراجع نفوذه في الشرق الأوسط وانكشاف ألاعيبه التي أصبحت قديمة وساذجة، وعلى الرغم من ذلك لا يزال هذا المعسكر يحاول الخروج بأقل الخسائر من الحرب التي أنهكته وأهدرت المليارات من خزينته.

كذبت أمريكا وصدقت نفسها، فعلى غرار تدخلها في العراق قبل 15 عام بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل، وفي ليبيا وأفغانستان واليمن بذريعة الحرب على الإرهاب، تتدخل في سوريا بذريعة جديدة هي استخدام السلاح الكيماوي، فتتباكي واشنطن على حقوق الإنسان والمدنيين هناك، وتدعي اعتزامها التدخل لوقف قصف النظام السوري للشعب بالأسلحة الكيماوية، فيما لم تذرف دمعة واحدة على الفلسطينيين الذين يسقطون يوميًا على يد الاحتلال الصهيوني، ولا على اليمنيين الذين تُرتكب بحقهم أبشع الجرائم بدعم أمريكي وتنفيذ سعودي، ولا على العراقيين الذين قتلوا بالآلاف في حرب عام 2003 التي أظهرت التحقيقات بعد ذلك أنها قامت على ذرائع واهية.

حرب سياسية

شهدت ساحة مجلس الأمن الدولي، أمس الثلاثاء، حربا سياسية وكلامية اشتعلت بين القوى الكبري، أمريكا وبريطانيا وفرنسا من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، وتحولت الجلسة إلى حلبة مصارعة، يضرب فيها كل طرف من الطرفين ضربته القاصمة للطرف الآخر، وذلك خلال 3 عمليات تصويت، اثنتين منها على مشروعي قرارين روسيين، والثالث على مشروع قرار أمريكي، وهو أمر نادرًا ما يحصل في يوم واحد وحول موضوع واحد أيضًا، وعلى الرغم من ذلك فإن أيًا من هذه النصوص الثلاثة لم ينجح في أن يتحول من مشروع إلى قرار.

استخدمت روسيا، أمس الثلاثاء، حق الفيتو الثاني عشر، في مجلس الأمن ضد مشروع القرار الأمريكي، في عملية التصويت الأولى التي شهدها المجلس، ويقضي مشروع القرار بإنشاء آلية تحقيق حول استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، حيث أيّدته 12 دولة، على رأسها فرنسا وبريطانيا، وعارضته روسيا وبوليفيا بينما امتنعت الصين عن التصويت، الأمر الذي علقت عليه السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة، نيكي هايلي، بادعاء أن “روسيا قوّضت مصداقية مجلس الأمن”، معتبرة أن ما جرى “نكتة، وروسيا بارعة في ممارسة الألاعيب”، ليرد عليها نظيرها الروسي، فاسيلي نيبينزيا، قائلًا “وانتم موهوبون جدًا في التهديدات”.

على جانب آخر، أفشلت واشنطن وحلفاؤها مشروعي قرارين بديلين طرحتهما موسكو، يقضي الأول بتشكيل آلية للتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، يمنح مجلس الأمن القرار النهائي في اعتماد أو رفض نتائج التحقيقات التي تخلص اليها آلية التحقيق، لكن النص سقط لعدم حيازته الأكثرية اللازمة من الأصوات لإقراره، حيث أيدته 6 دول في حين عارضته 7 دول وامتنعت اثنتان عن التصويت، لتطرح روسيا مشروع قرار ثان بشأن سوريا، يكتفي بدعم إجراء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحقيقًا في الهجوم الكيميائي المفترض في دوما، ولا ينص على تشكيل آلية تحقيق لكشف المسؤولين عنه، وهو المشروع الذي لم تؤيده سوى 5 دول، في حين صوتت ضده 4 دول، وامتنعت الدول الست الباقية عن التصويت، لتتعمق بذلك الانقسامات بين أعضاء المجلس حول النزاع السوري.

تحركات دول العدوان

لم تنتظر الولايات المتحدة وحليفتها الفرنسية نتائج جلسة مجلس الأمن لبدء التحرك عسكريًا، ويبدو أن حديث سفيرة أمريكا بالأمم المتحدة نيكي هيلي، الإثنين الماضي في مجلس الأمن، بأن “واشنطن سترد على الهجوم الكيماوي في سوريا أيًا كان موقف مجلس الأمن الدولي”، كان حقيقيًا، وتعمدت من خلال هذا التصريح التقليل من أهمية قرارات المجلس، لكن مع فشل الجهود الدبلوماسية خلال الجلسة الأممية ارتسمت بشكل أوضح معالم الضربة التي هددت بها أمريكا وفرنسا.

أفادت صحيفة “Stars and Stripes” الأمريكية، أمس الثلاثاء، بأن مجموعة ضاربة من الأسطول الحربي الأمريكي، وعلى رأسها حاملة الطائرات “هاري ترومان”، تتوجه إلى البحر الأبيض المتوسط، وأضافت الصحيفة أن المجموعة الضاربة تنطلق، اليوم الأربعاء، من قاعدة “نورفولك” البحرية بولاية فرجينيا باتجاه أوروبا والشرق الأوسط، وبحسب الصحيفة فإن هذه المجموعة ستضم إلى الطراد الحامل للصواريخ “نورماندي”، والمدمرات الحاملة للصواريخ “آرلي بورك” و”بالكلي” و”فوريست شيرمان” و”فاراغوت”، على أن تنضم إليها لاحقًا مدمرتا “جيسون دانام” و”ساليفانز”، وأفادت الصحيفة أن سفن المجموعة الضاربة تحمل على متنها حوالي 6500 عسكري، مضيفة أن من المخطط انضمام فرقاطة “هيسن” الألمانية إلى المجموعة.

وفي وقت سابق، أوردت صحيفة “Wall Street Journal” أن مدمرة أمريكية ثانية قد تدخل البحر المتوسط في الأيام القريبة القادمة، ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين في مجال الدفاع أن المدمرة “دونالد كوك” غادرت الإثنين الماضي، ميناء قبرص وأبحرت في اتجاه سوريا، مشيرة إلى أن السفينة مزودة بـ60 صاروخًا مجنحًا من طراز “توماهوك”، ومن المفروض أن تصل مدمرة “بورتر” إلى هذه المنطقة بعد عدة أيام.

في ذات الإطار، أفادت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، بأن مقاتلات “رافال” في قاعدة “سانت ديزييه” العسكرية شمال شرقي فرنسا، وضعت في حالة تأهب بانتظار قرار سياسي بتوجيه ضربة إلى أهداف في سوريا، وقال وسائل إعلام فرنسية، إن قادة الجيش الفرنسي قدموا للرئيس إيمانويل ماكرون، خططًا عسكرية، قد يتم اعتمادها لتوجيه ضربة إلى سوريا، في حال تم اتخاذ القرار السياسي بذلك.

على الجانب السياسي، فقد أجرى الرئيس الأمريكي ترامب، محادثات هاتفية مكثفة مع عدد من القادة الغربيين، بغية حشد التأييدات الغربية لرد مشترك على الهجوم الكيميائي المزعوم في دوما، وفي مقدمة الرؤساء الذين اتصل بهم ترامب، الرئيس الفرنسي ماكرون، ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، التي أجرت فيما بعد اتصالًا هاتفيًا مع ماكرون أيضًا.

في ذات الإطار، حاول ماكرون، توضيح حقيقة العدوان الذي تنوي بلاده شنه على سوريا بالتحالف مع أمريكا، مشددًا على أنه لن يتعرض لحلفاء سوريا، وهو ما وضعه بعض المراقبين في إطار خوف فرنسي من رد روسي إيراني مزلزل، حيث قال ماكرون، أمس الثلاثاء: في حال قررت شن ضربات عسكرية فسوف تستهدف القدرات الكيميائية للنظام السوري دون أن تطال حليفيه الروسي والإيراني، مؤكدًا أن “فرنسا لا ترغب بأي تصعيد”.

لندن مترددة.. والسعودية “لن تتأخر”

امتنعت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، عن الرد مباشرة على سؤال بخصوص ما إذا كانت بريطانيا ستنضم إلى الولايات المتحدة إذا قررت واشنطن الرد عسكريًا على أحداث دوما، واكتفت بالقول: نعتقد أنه من الضرورة محاسبة المسؤولين عن الهجوم، وأكدت ماي، أنها ستترأس اليوم الأربعاء، اجتماعًا لمجلس الأمن القومي البريطاني، لكن صحيفة “تايمز” البريطانية نقلت عنها قولها لترامب، خلال اتصال هاتفي، أن “بريطانيا تحتاج للمزيد من الأدلة على استخدام الكيميائي بسوريا، قبل الانضمام للحملة العسكرية المتوقعة”.

كعادتها لن تتأخر المملكة العربية السعودية في تنفيذ أوامر حليفتها الأمريكية، خاصة أن المملكة ممثل رئيسي منذ البداية في مسرحية استخدام الكيماوي في دوما، وأعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أن بلاده قد تشارك في ضربات محتملة ضد سوريا، وقال في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي: “إذا كان تحالفنا مع شركائنا يتطلب ذلك، فسنكون جاهزين ولن نتأخر”.

روسيا وإيران.. تنسيق وتحذير

في المقابل، بدأت روسيا وإيران التحضير لتدفيع واشنطن وحلفائها ثمن الضربة المحتملة على سوريا، وأكد مسؤول إيراني رفيع المستوى، أن الممثل الخاص للرئيس الروسي في شؤون سوريا، الكساندر لافرنتيف، التقى مع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، في إيران وبحث معه التطورات الأخيرة في سوريا، كما ناقش الطرفان الهجوم الذي جرى على مطار تيفور العسكري في حمص السورية، والتهديدات بشن هجوم عسكري غربي على سوريا، لكن المسؤول الإيراني رفض الإدلاء بتفاصيل تلك المناقشات.

من جانبها، أعلنت روسيا أنها سترد فورًا في حال تعرض الجنود الروسي في سوريا لأي ضرر من عملية عسكرية أمريكية محتملة ضد سوريا، وقال النائب الأول لرئيس لجنة مجلس الاتحاد الروسي لشؤون الدفاع، يفغيني سيريبرينيكوف، اليوم الأربعاء، إن الرد الروسي سيكون فوريًا، مضيفًا: “القواعد العسكرية الروسية في حميميم وطرطوس محمية جيدًا، ونحن نعول مع ذلك، في حال كانت هناك ضربات أمريكية، على ألا تتعرض حياة جنودنا للخطر، أعتقد أن الولايات المتحدة تفهم ذلك ولن تسمح بذلك”.

في ذات الإطار، قلل مصدر عسكري دبلوماسي روسي، من خطورة تحرك مجموعة من السفن الحربية الأمريكية إلى البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لروسيا، وقال لصحيفة “كوميرسانت” الروسية: حتى الآن، لم يحدث شيء مخيف، وأوضح: كل تعزيز للقوات في منطقة البحر المتوسط سيؤدي إلى تصعيد التوتر، مشيرًا إلى أن العسكريين الروس سيقومون بمتابعة تطورات الوضع وتقييمها، وهي مهمة تنفذها، منذ عدة أيام، طائرات الاستطلاع الروسية من طراز “A-50” التي تراقب سير مدمرة “دونالد كوك” الأمريكية، وأكد المصدر أن الأسطول البحري الروسي “قادر على رد سريع عند الضرورة، وسيكون هناك من ينتظرهم عند قدومهم”، في إشارة إلى المجموعة الأمريكية الضاربة.

وأوضح المصدر أن القوى البحرية الروسية المتواجدة في مياه المتوسط لا تقتصر على السفن العادية بل تشمل أيضًا غواصات، بما فيها الغواصات النووية المزودة بطوربيدات وصواريخ “كاليبر” المخصصة لتدمير الأهداف البحرية والبرية، ورفض المصدر الكشف عن الأنواع المحددة للغواصات الروسية المتواجدة في المنطقة، لكن صحيفة “ذا صانداي تايمز” البريطانية كشفت في عام 2016، أن غواصتين نوويتين من نوع “شوكا- بي” وغواصة ديزل من نوع “بالتوس” تم رصدهما في البحر المتوسط، بالإضافة إلى ذلك، فإن روسيا تملك قاعدة حميميم الجوية الروسية بريف اللاذقية في سوريا، والمزودة بصواريخ من نوع مضادة للسفن من طراز “خ-35 كياك”.