السوق الموحد.. الاتحاد الاقتصادي أفق بديل لدول الأطراف

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

في عودة اقتصادية وسياسية لكيان “الكتلة الشرقية” من العالم، عملت الصين وروسيا، منذ سنوات، على خلق تكتّلات وكيانات اقتصادية تمثّل بديلا عن المنظومة الاقتصادية “الموحّدة” للعولمة، والتي شكّلتها قوى رأسمالية المركز أي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان. لا تعمل الكيانات الجديدة بمعزل كامل عن المنظومة الاقتصادية العالمية، إنما انبثقت عن مبادرات وخطط تتعاطى مع نفس معطيات الواقع الاقتصادي للعالم، وتتجه، ببطء، نحو توفير منظومة اقتصادية بديلة لدول الأطراف؛ التي تشمل دول العالم الثالث والدول المتأرجحة اقتصاديا بين نمط المركز ونمط الأطراف، والتي لم ولا تترك لها المنظومة العالمية مواقعا فيها سوى مواقع: المقترِض والمستهلِك وسوق تصريف البضائع وخزّان الأيدي العاملة الرخيصة، في غياب أي أفق لصعود اقتصادي تنافسي لها، عالميا، ومع فجوة هائلة في الثروة ومخزون البحث العلمي والإمكانات المادية والتكنولوجية، الأمر الذي شكّل دائرة مفرغة حُصرت فيها تلك الدول رغم تمتعها بموارد طبيعية ومواقع جغرافية استراتيجية وإمكانات بشرية، مع بقاء العصا الغربي الغليظ، العقوبات والضغوط الاقتصادية والسياسية والحروب، مسلطة على المحاولات الجادة للفكاك من هذا الواقع.

تكاملت روسيا والصين مع “الطليعة” الصاعدة وذات الواقع الاقتصادي الأقوى من نمط الدول السابق ذكرها، الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، وهي اقتصادات استطاعت، خلال عقد التسعينات والعقد الأول من الألفينات، تحقيق تقدم داخل المنظومة العالمية بموارد طبيعية وجغرافية وبشرية هائلة، كفل حسن إدارتها، مع مراكمة بنية تحتية صناعية وتطور علمي وإداري لعقود سابقة، وتحقيق نقلة لتلك الدول نحو التصنيع المتطوّر ومجال الاقتصاد الخَدَمي الضخم، وكلاهما محتكَر من قوى رأسمالية المركز. من هنا التقت الأطراف الخمسة في إطار مجموعة “بريكس”، التي تضم نحو 45% من إجمالي سكان العالم، وتمثل اقتصادات دولها نحو 25% من إجمالي حجم الاقتصاد العالمي، ونصف إجمالي معدّل النمو الاقتصادي العالمي في العقد الماضي وفي عام 2016.

بمعنى آخر، يمكن القول إن التكتلات الاقتصادية، ومن ثم السياسية، العظمى في العالم، لم تعد منحصرة في مجموعة الدول الثمان الكبار أو مجموعة الدول العشرين، وإن تراكم الوقت والعمل للكيانات، التي سنورد أحدها فيما هو آتٍ، حقق نقلة للأمام لدولها على حساب منظومة العولمة الاقتصادية، فلم يعد الحديث عن إقامة منظومة اقتصادية عالمية بديلة للعولمة حديثا مستقبليا بل أصبح أقرب للواقع المُعاش، إذ كما شهد العقد الماضي أزمة رأسمالية كبيرة في الغرب، تم تجاوزها كما تتجاوز الرأسمالية أزماتها البنيوية بكفاءة أغلب الأوقات، شهد أيضا صعودا عمليا لاقتصادات ذلك التكتل وامتدادات لاستثماراته في مجالات الطاقة والتبادل التجاري والبنية التحتية، على أرضية من مبدأ تعاون دول الأطراف، أي الدول الخارجة نسبيا عن منظومة العولمة الاقتصادية المُدارة غربيا بسياسة استعمارية، هي ليست فقط مثار استهجان وغضب لشعوب دول الجنوب والأطراف، بل بشكل أساسي تعيق التطور الاقتصادي والاجتماعي لتلك الشعوب وتفسد حياتها في ظل “اقتصاد السوق” المعولَم، الذي لا تجني في خضمه الدول الصغيرة، دول الجنوب، سوى الضغط والإفلاس والتهميش والتعرض للاستغلال الاقتصادي والسياسي الفاضح، وسوء إدارة وتصريف ثرواتها لصالح منظومة الهيمنة والتبعية التي تحكم اقتصاد السوق والعولمة الاقتصادية الغربية.

الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي

أُنشيء عام 2015 ويضم روسيا وروسيا البيضاء وقيرغيزستان وكازاخستان وأرمينيا، وهو الوريث والبديل الأحدث للمجموعة الاقتصادية الأوروبية الآسيوية التي تم حلّها في أول العام نفسه، و يعمل في محيط مظلة أوسع، هي الاتحاد الجمركي الأوراسي، الذي يضم روسيا وروسيا البيضاء وكازاخستان وأذربيجان وأرمينيا وطاجيكستان وتركمنستان وقيرغيزستان وجورجيا وأوكرانيا، وحقق الاتحاد ناتجا إجماليا سنويا، وفق تعادل القوة الشرائية، بلغ 4 تريليونات دولار عام 2016.

انعكس العمل الاقتصادي التجاري المشترك بين دول المجموعة، الذي انطلق عام 2000 بالاسم القديم “المجموعة الاقتصادية الأوروبية الآسيوية”، على اقتصادات تلك الدول ليكفل لها جهوزية إنشاء تكتّل أكثر كفاءة، مع محطة فارقة هي إقامة الاتحاد الجمركي الأوراسي عام 2010، ومنذ عام 2000 حتى 2007 حققت دول المجموعة زيادة في الناتج المحلي الإجمالي بلغت من 6 إلى 8%، وعقب الأزمة المالية العالمية التي اجتاحت منظومة العولمة الاقتصادية عامي 2007 و2008، بلغ حجم التجارة البينية في المجموعة 63 مليار دولار سنويا في عام 2011، بزيادة بلغت 34% عن عام 2010، وارتفع إلى 68 مليار دولار في عام 2012، الذي بلغت خلاله الصادرات المشتركة لدول المجموعة 594 مليار دولار في مقابل 340 مليار من الواردات.

أنهى الاتحاد التعريفة الجمركية البينية ووضع تعريفة جمركية للبضائع القادمة من خارجه، وصولا لإزالة كافة الحدود الجمركية، واستهدف تخفيض أسعار السلع من خلال تقليل تكلفة نقل المواد الخام، وهو ما تحقق في ظل جغرافيا مثالية أتاحت ذلك كما أتاحته مثيلتها لدى الاتحاد الأوروبي، كما ساعد على ذلك تمتُع بيئة دول الاتحاد بحصيلة عظمى من تلك المواد على تنوّعها، مع بنية صناعية معتبَرة وإن شهدت تراجعا خلّفها عصر الاتحاد السوفيتي، كما استهدفت السياسات الاقتصادية الحاكمة لعمل الاتحاد خفض أسعار السلع الغذائية، اعتمادا على تنوّع المحاصيل الزراعية بين دول الاتحاد وكثافة إنتاجها، وبالفعل كفل التكامل بين الدول وصول الاتحاد لمرتبة متقدمة عالميّا في مجالات: المواد الخام والمنتجات الزراعية، والتصنيع العسكري الذي يجد لنفسه مركزا متقدما في روسيا.

من ناحية أخرى، سعى الاتحاد إلى زيادة إجمالي طاقة الإنتاج الصناعي، للتغلب على سمة سلبية لا تزال حاضرة إلى الآن في اقتصادات تلك الدول، وعلى رأسها روسيا، وهي الاعتماد الكبير على عوائد النفط والطاقة المستخرَجة، الأمر الذي أعاقه تخلّف البنية التحتيّة لدى الدول الأصغر في الاتحاد، فعملت سياسات الأخير على أن يصب التكامل الاقتصادي، ومشروعاته الاستثماريّة وإجراءاته، في تطوير البنية التحتيّة الصناعيّة وغير الصناعيّة لتلك الدول، مما ارتد مرة أخرى على شكل وسائل وبضائع توثّق من التكامل الاقتصادي، في ظل سياسة تجمع بين التنافسيّة والتأطير تحكم عمل الاتحاد كناظم مشترَك له، في سوق إقليمي موحّد يسهل كشف الاحتكار ومنعه فيه.