أحمد خالد توفيق والتصالح مع النفس

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

لم أسمع عن الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق سوى بعد أن نشر روايته الشهيرة “يوتوبيا” فى عام 2008، أى منذ حوالى عشرة أعوام، ربما لأننى من الجيل السابق للجيل الذى كان الراحل يكتب له، فأنا من الجيل  الذى تشكل وعيه مع كتابات أنيس منصور ومصطفى محمود فى الثمانينات.

وقد حققت هذه الرواية أرقاما خيالية فى المبيعات، وأعيد طبعها عشرات المرات، وبدافع الفضول وجدت نفسى اشتريها، ولكن لم اقرأها إلى اليوم، ربما لأنها رواية ذات طابع غريب عن قراءاتى، ألا وهو طابع الكتابة عن المستقبل، حيث تدور القصة كلها فى زمن بعيد متخيل، وربما لأن أحداثها شديدة القتامة، حيث تدور – كما قرأت عنها – حول مجموعة من الأثرياء يمارسون هواية اصطياد الفقراء، أى أنها ليست رواية عن يوتوبيا (مدينة فاضلة) بل رواية عن ديستوبيا (مدينة فاسدة).

ولقد قرأت للكاتب الراحل ثلاثة كتب فحسب: الأول هو “اللغز وراء السطور”، عن أسرار الكتابة وتجارب كبار الأدباء وتجربة الكاتب نفسه مع الكتابة، ولعل ما دفعنى إلى شراء هذا الكتاب هو أن أجد فيه إجابة لأسئلة عديدة طالما شغلتنى: لماذا تبدو هذه الفقرة جميلة وتلك مفككة؟ ولماذا تمتعنا هذه القصة بينما تثير تلك ضجرنا؟ والكتاب الثانى هو “أفلام الحافظة الزرقاء”، عن الأفلام السينمائية العالمية التى أثرت فى الكاتب، أبكته أو أضحكته أو جعلته يفكر طويلا، وقد شدنى الكتاب لأننى أحب السينما ومهتم أيضا بتاريخ السينما، ولكن هذا الكتاب أعجبنى بدرجة أقل من الأول، حيث وجدته خفيفا نوعا ما. أما الكتاب الثالث والذى كان بعنوان “فقاقيع”، فلم يعجبنى على الإطلاق، وقد اشتريته رغم تحذير الكاتب نفسه، الذى كتب على ظهر الكتاب إنه يضم مقالات ساخرة قصيرة لا تبغى سوى جعل القارئ يبتسم وبعدها تنفجر كالفقاقيع، ورصد جائزة لأى شخص يتذكر مقالا واحدا بعد ثلاث دقائق من قراءته.

ومن خلال مشاهدتى لبعض اللقاءات التليفزيونية التى ظهر فيها أحمد خالد توفيق مؤخرا، ومن خلال معرفتى بالعديد من الكتاب الذين كانوا يعرفونه عن قرب ويذكرونه بالخير، أستطيع أن أقول عنه بشىء من اليقين إنه كان بسيطا ومتواضعا ومنطويا، لا يحب الكثير من الضجيج حوله ويخجل من الإطراء مهما كان عابرا. ملامح شخصيته قريبة جدا من ملامح شخصية بطله الأشهر رفعت إسماعيل، فى سلسلة “ما وراء الطبيعة” التى كان يكتبها للصغار فى التسعينات. كان رفعت إسماعيل، مثل أحمد خالد توفيق، طبيبا بسيطا ويرتدى نظارة طبية أيضا، وكان شخصا عاديا وليس بطلا خارقا، فكان قلبه واهنا ويعانى من الربو والقرحة وضيق الشرايين التاجية، وكان لا يمتلك القوة والذكاء والقدرات الذهنية الخارقة لشخصية ضابط المخابرات أدهم صبرى، بطل سلسلة “رجل المستحيل”، التى داعب بها منافسه الكاتب نبيل فاروق خيال الصغار لسنوات طوال.

ورغم شهرته الواسعة، كان أحمد خالد توفيق خاليا من شوائب النفس التى تصيب عادة الكتاب المشهورين، فكان يدرك جيدا أن العالم لا يقف  عند حدود نفسه، ولذلك كان أبعد ما يكون عن الغرور والغطرسة، لا يعامل القراء بصلافة وتكبر – كما يفعل كثيرون – وإنما بمودة وحب. وكان دائما يتحدث بصوت خافت وتواضع شديد، ويحب الانطواء والعزلة والزهد، ويعجب دوما لأن معظم الناس لا يحبون المنطوى ولا يستريحون له بشكل عام، إنهم يفهمون أن تكون وقحا أو أن تكون صاخبا، أما أن تكون منطويا مهذبا صامتا، فيظنون بك الظنون.

أعتقد أن الميزة الكبرى فى أحمد خالد توفيق هى أنه كان متصالحا مع نفسه، يعرف قدراته جيدا ولا يدعى لنفسه شيئا أكبر من حجمها، ومفتاح التصالح مع النفس هو أن يقبل الإنسان ذاته كما هى بكل مميزاتها وعيوبها، قوتها وضعفها، نجاحاتها وإخفاقاتها، دون أن يرفع منها ودون أيضا أن يقلل منها أو يحكم عليها، وأن يتعامل مع الناس بتلقائية وبساطة، دون تكلف ولا تصنع ولا مباهاة.

رفض أحمد خالد توفيق الشهرة الكاذبة المبنية على التدليس، وكان يردد دائما إن الشهرة سهلة ولكن النجاح صعب. ولم يحدث يوما أن قال عن نفسه إنه مفكر كبير أو أديب عظيم، وإنما كان يرى نفسه مجرد “عتبة” للقراء الشباب إلى مرحلة أخرى أكثر نضجا، يقرأون فيها لكتاب آخرين أكثر عمقا، مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهم من إيقونات الأدب المصرى. وهذا ليس تحليلى وإنما كلام أحمد خالد توفيق نفسه، فكان يدعو الشباب فى ندواته وحواراته إلى التوقف عن قراءة أعماله فى مرحلة عمرية معينة ليبدأوا فى قراءة أعمال كبار الأدباء والمفكرين، وهنا تكمن عظمة الرجل، الصدق مع النفس قبل الصدق مع الآخرين، فى زمن ينتشر فيه الكذب والإدعاء والزيف، ويتلاشى الصدق والإخلاص والنزاهة.

لم يكن أحمد خالد توفيق باحثا عن مجد زائف، فقط امتلك من الحكمة ما يجعله يدرك الخواتيم، يعرف أن السامر سينفض يوما ولن تبقى سوى الذكرى الطيبة. أحد تلاميذه فى كلية الطب بجامعة طنطا، حيث كان يعمل أستاذا فى قسم  أمراض الباطنة المتوطنة، كتب فى الفيسبوك بعد وفاته يقول إنه فى أحد امتحانات الشفوى بالكلية كان أحمد خالد توفيق هو الممتحن، وأمام سؤال لم يستطع الطالب أن يُجيب عنه، فما كان منه إلا أن ترك الدفتر الذى يدون فيه الدرجات جانبا، وراح يشرح للطالب الدرس الذى يحوى السؤال. فطن أحمد خالد توفيق لدور المعلم، أراد لتلميذه أن يعرف قيمة العلم، فالمسألة ليست درجات يحصدها فيصبح متفوقا أو يخسرها فيصير راسبا، فيما ظل الموقف مغروسا فى ذاكرة التلميذ عن هذا المعلم الذى علمه درسا لن ينساه. لم تكن أفعال أحمد خالد توفيق وكتاباته مواقف زائفة يبغى بها الرياء، وإنما خرجت من القلب فلمست قلوب الشباب، الذين ساروا فى جنازته بالآلاف يتحسرون عليه ويبكونه بحرقة وحزن. رحم اللـه الإنسان الطيب النبيل المتصالح مع نفسه أحمد خالد توفيق.