هل تستورد مصر الغاز الإسرائيلي لصالح السعودية؟

يبدو أن الصدمات التي توالت على المصريين جراء إقرار مصر استيراد الغاز من الكيان الصهيوني أدخلتهم في حيز الدهشة، فالأمر لم يعد يقتصر على أن مصر ستستورد غازها من كيان محتل وغاصب لفلسطين وثرواتها فحسب، بل إن الصفقة التي وصفها رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني، بنيامين نتنياهو، بالعيد لليهود تزامنت مع تأكيدات مصرية أن الغاز المكتشف في حقول الغاز في شرق البحر المتوسط ومنها حقل ظهر سيضع مصر على طريق الاكتفاء الذاتي، حيث بشر طارق الملا وزير البترول المصريين بتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي بنهاية عام 2018 بعد دخول حقول غاز جديدة لمرحلة الإنتاج، وخاصة حقل ظهر العملاق، وذهب الوزير بطموحات الشعب المصري إلى أبعد من ذلك بقوله إن مصر ستصدر الغاز الطبيعي بدءًا من 2019.

صدمة استيراد الغاز الإسرائيلي، والتي أعلن عنها الطرف الإسرائيلي الشهر الماضي، أحدثت حالة من الجدل في الشارع المصري، خاصة في ظل الضبابية التي شهدتها، لدرجة أن وزير البترول قال “إن الوزارة لم تُبلغ بالتفاصيل الكاملة عن الاتفاقية التي وقعت بين شركات خاصة مصرية وإسرائيلية”، وحتى الآن المتوافر من المعلومات حول الصفقة هو ما أعلنته شركة “ديليك” للحفر أن الشركاء في حقلي الغاز الطبيعي الإسرائيليين “تمار ولفيثان” وقعوا اتفاقات مدتها 10 سنوات لتصدير غاز طبيعي بقيمة 15 مليار دولار إلى شركة دولفينوس المصرية.

الجدير بالاهتمام أن الشخصيات المسؤولة في مصر أكدت أن الغاز ليس موجهًا في المقام الأول للاستهلاك المحلي، حيث أكد مصدر مسؤول بوزارة البترول أن توقيع شركة “دوليفينوس” المصرية اتفاقية مع شركة ديليك الإسرائيلية لتوريد الغاز لا يستخدم في السوق المحلي، ولكن سيعاد تصديره إلى الخارج من خلال الشركات الخاصة، وبدوره أكد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، فبراير الماضي، أن الحكومة المصرية ليست طرفًا في الاتفاق، كما أكد أن قانون تنظيم سوق الغاز الجديد يسمح للشركات بشراء الغاز واستيراده وإعادة بيعه، سواء في السوق المحلي أو إعادة تصديره من خلال محطات الإسالة.

وبعيدًا عن احتمالية تدفق الغاز المصري في سوقه المحلية، فما هي الدول التي قد تصدر لها مصر الغاز الإسرائيلي؟ موقع “بلومبيرج” الأمريكي أورد في مقال له 19 مارس الجاري أن هناك احتمالية لوجود السعودية في الصفقة المصرية للغاز، حيث قال إن الاحتمال الآخر لصفقة الغاز المصرية مع إسرائيل “هو صفقة مع السعودية التي تعاني نقصًا في الغاز على الرغم من ثروتها النفطية”.

وما لا يعرفه كثيرون أن السعودية عملاقة الذهب الأسود هي دولة متواضعة الإمكانيات من حيث الغاز، فعلى الرغم من أن المملكة تحتل سادس احتياطات الغاز الطبيعي المثبتة عالميًّا، وتحتل المركز الثالث على مستوى الشرق الأوسط، إلا أنها تستهلك جل إنتاجها (لا تصدر ولا تستورد) من الغاز الطبيعي في قطاع البتروكيماويات وتوليد الطاقة الكهربائية، إذ شكل الغاز الطبيعي ما نسبته 40.7 في المائة من حاجة البلاد من مصادر الطاقة الأولية، وعلى الرغم من حالة الاكتفاء السعودي من الغاز، إلا أن السعودية بدأت تبحث مؤخرًا عن الغاز في القطب الشمالي، حيث كان وزير الطاقة السعودي خالد الفالح قد أشار إلى مشروع “يامال للغاز الطبيعي المسال”، وقال في يونيو 2017 “إن المملكة تنظر أيضًا في مشاركة الشركات الروسية في مشاريع في إفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط”.

موقع بلومبيرج الأمريكي قال “إن السعودية تناقش حاليًّا إمكانية استيراد الغاز الطبيعي المسال مع روسيا”، وبنظرة سريعة نجد أن العلاقات السعودية الروسية في الوقت الراهن، خاصة بعد زيارة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لواشنطن، لا تسير على النحو الأفضل، بل إن الرئيس الأمريكي أعلن الحرب الأمريكية السعودية عليها من واشنطن، كما أن هناك خلافًا سعوديًّا روسيًّا، يتجدد بين فترة وأخرى حول ملف النفط وآلية خفض الإنتاج.

ومن هنا فإن منطقة البحر الأبيض المتوسط، والتي تحدث عنها وزير الطاقة السعودية، قد تعود إلى دائرة الاهتمام السعودي، في هذا التوقيت، الذي يشهد أزمة مع قطر، وهي عملاق الغاز في المنطقة، خاصة وأن الدوحة لوحت باستخدام غازها الطبيعي في إطار رد محتمل على مقاطعتها من قبل جيرانها الخليجيين، وقال أكاديمي اقتصادي لـ”بلومبيرج”: “إن الغاز ليس السبب المباشر للمواجهة الحالية، ولكن أستغرب ما سبب عدم رغبة قطر في تزويد الدول المجاورة لها بالغاز، ربما كان هناك توقع بأن تقوم قطر ببيع الغاز لجيرانها بسعر مخفض”.

مصر قد تلعب دورًا في تأمين الغاز للدول الخليجية، فقد كشفت مصادر مطلعة في وزارة البترول المصرية لموقع إرم نيوز أن مصر خاطبت بعض الدول الخليجية من أجل العمل على توقيع اتفاقات جديدة؛ لخلق فرص استثمارية بينهما، في مجال اكتشاف وتصدير الغاز، مؤكدة أن مصر تخطط فعليًّا لتصدير الغاز المسال الطبيعي إلى الخليج.

قد لا تكون الأزمة الخليجية وحدها الضاغطة على السعودية والدول الخليجية الأخرى المقاطعة لقطر للتوجه نحو غاز المتوسط، فهناك مشاريع تعهد بها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، تحتاج إلى كم هائل من الطاقة، لا يتناسب مع حالة الاستكفاء السعودي الحالي من الغاز، فتماشيًا مع رؤيته للسعودية “2030” ومشروع “نيوم”، من المفترض أن يتم التوجه لرفع إنتاج الطاقة الكهربائية؛ لتلبية النمو السكاني المطرد من جهة وتلبية متطلبات مشاريعه الضخمة، وهو الأمر الذي سيقود بالضرورة إلى زيادة صادرات المملكة غير النفطية من جهة أخرى، مثل قطاع البتروكيماويات. وبحسب الرؤية فإن الغاز يعتبر «موردًا مركزيًّا» لتوليد الطاقة الكهربائية وتأمين أولويات التنمية في المملكة العربية السعودية، خاصة أن مصر باتت جاهزة للبدء في الربط الكهربائي مع السعودية والتشغيل 2021.

وقد لا يكون من باب الصدفة أن مشاريع ابن سلمان الضخمة، والتي تدور في فلك 2030، تتزامن مع الفترة الزمنية التي تدور فيها الصفقة المصرية مع الغاز الصهيوني، والتي تنتهي 2030 هي الأخرى، كما أن الثمن المرتفع لصفقة الغاز المصري مع إسرائيل كما يقول بعض الخبراء يحتم عليها خفض تكاليف نقل هذا الغاز، الأمر الذي سيجعل السعودية دولة مثالية لتصدير الغاز إليها، خاصة أن السعودية بدأت في الآونة الأخيرة تبدي مرونة في التعاطي والتعاون مع الكيان الصهيوني، ومؤخرًا سمحت بوصول أول طائرة من الهند إلى إسرائيل عبر أجوائها.