ما بين واشنطن والرياض وهتلر.. طغيان الإعلام على السياسة (تحليل)

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

الجهل جزء منه إنكار أو العكس، فسواء كنت تجهل لتنكر أو تنكر لأنك تجهل فالمحصلة العملية واحدة: التضليل، الذي تتبدل فيه فيه الأدوار وتتشابك في نموذج مثل العلاقات الأميركية السعودية، فسردية ولي العهد التي يُمهد لها منذ ثلاث سنوات فيما يخص رعاية المملكة التاريخية للتطرف وتمويله تبقى أمام ذوي الشأن والاختصاص في الولايات المتحدة كرهان متواضع لاعب محترف على طاولة المقامرة التي لا يهتم الجالسون عليها سوى بكم الأموال التي سيحصلون عليها من أقل لاعب خبرة وموهبة.

أبرز ماصادق هذا المفهوم هو تصريحات الرئيس الأميركي عشية لقاءه بولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي يزور الولايات المتحدة حالياً، وهي التصريحات التي أطلقها ترامب عبر مجموعة تغريدات وتصريحات لوسائل الإعلام بحضور بن سلمان أبرزها ما قال فيه “السعودية دولة غنية وسنأخذ بعض من ثروتها” وهو يمسك بلافتة تشير إلى حجم الأموال السعودية التي ستحصل عليها شركات أميركية مختلفة المجالات.

بخلاف هذا المشهد السياسي الوقح وهذه الصورة التي تختصره، فإن كل ما قد يعيق المسار الذي أوصلهم إليها بهذه الصيغة الفجة قد تم تركه لديناميكا السياسة والإعلام والعلاقات العامة والخاصة داخل الولايات المتحدة؛ والتي حققت أموال المملكة فيها نجاح نسبي في إرجائها على المستوى السياسي والإعلامي، وحصرها في المستوى الإجرائي والقانوني، مثل قانونجاستا الذي صدر بناء على أدلة وقرائن تشير إلى تمويل ودعم الرياض عبر قنوات وشخصيات رسمية لهجمات 11 سبتمبر، والذي حُصر في نطاق الدوائر القانونية والعدلية الأميركية بواقع 500 مليار دولار حجم الأموال التي حصل عليها ترامب في زيارته العام الماضي للمملكة.

أما عن السردية الدعائية للرياض والتي وصلت ذروتها قبيل زيارة ترامب إلى السعودية العام الماضي، فإن منجزها الأكبر هو تحويل تصريحات ترامب من “البقرة التي جف ضرعها وحان وقت ذبحها” عشية دخوله البيت الأبيض إلى “دولة غنية وسنأخذ بعض من ثروتها”، أي التركيز على منطق رجل الأعمال بمنتهى المباشرة والصراحة، فأمام تهديد واشنطن إبان عهد أوباما بقانون “جاستا”، ردت المملكة بالتهديد بسحب احتياطها النقدي البالغ  حوالي 9 تريليون دولار من الولايات المتحدة، وهو بمنطق السوق وبالذات نسخته الأميركية الترامبية “صفقة سيئة” مقارنة بصفقة جيدة تمكن ترامب بحصد مئات المليارات من الأموال السعودية السهلة تجعله يظهر أمام ناخبيه بصورة جيدة على مستوى ضخ الأموال في بعض قطاعات الصناعة والاستثمار في بلاده، مقابل عدم تصعيد “جاستا” وغيره لمستوى سياسي يجعل الموقف خاسر-خاسر بدلاً من رابح-رابح.

هذه السردية السعودية بتشعبها لخصها ولي العهد في إطلالاته الإعلامية المتنوع في أن كل ما فعلته بلاده من رعاية ونشر التطرف والأفكار المتشددة طيلة العقود الماضية لم يكن سوى ردة فعل على ما جرى في عام 1979 وتحديداً الثورة الإيرانية، في تجاهل لسياقات تاريخية واجتماعية ترجع بهذه الرعاية والتبني للقرن التاسع عشر، حيث نشأة السعودية الأولى قرينة الدعوة الوهابية، واستمرارها بصيغة أقرب إلى الداعشية إلى حين التأسيس الثالث على يد عبدالعزيز آل سعود، والتي مأسست الدعوة وأرست الدولة وجعلت المجتمع السعودي والسعودية ككل أقرب إلى ممالك القرون الوسطى بشكل حداثي عبر أموال البترول، وبجوهر قيمي متخلف يرزح تحته المواطنين في المملكة حتى الأن، مع فارق وعود الترفيه والتحديث التي تأتي كجزء من حملة الدعاية المصاحبة لبن سلمان كمؤسس ثان للمملكة.

وبخصوص مفارقة 1979 في هذه السردية الدعائية، يرى الباحث والمحلل السياسي البريطاني سايمون هندرسون أن” سبب التركيز على عام 1979 إلى أن الحاكم للسعودية، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يرى أن ذلك العام شهد تحول الإسلام السعودي إلى التطرف (..) لدي تحفظات حول ما إذا كان الإسلام في المملكة معتدلاً يوماً، إلا أن مصدر شكوكي الأكبر ينبع مما إذا كان التركيز على عام 1979 مضللاً من الناحية التاريخية، إذ يتم ربطه بالثورة الإيرانية التي كانت في الواقع صدفة. فأنا أرى أن عام 1973 أكثر أهميةً، ليس نظراً لحرب أكتوبر عندما هاجمت مصر وسوريا إسرائيل، بل نظراً لتبعاتها: ارتفاع أسعار النفط بواقع 4 أضعاف. وقد استخدمت السعودية، أكبر مُصدر للنفط في العالم، تدفق الإيرادات بشكل جزئي لصقل سمعتها الإسلامية – فضلاً عن تمويل صفقات أسلحة بملايين الدولارات وبعض القصور الكبرى. كما استخدمت العائلة المالكة السعودية بعض الأموال لاسترضاء المؤسسة الدينية السعودية، التي شرعت حكمها تاريخياً. وفي الخارج، تم بناء عشرات المساجد وتوزيع عشرات آلاف النسخ من القرآن الكريم. ولكن في كثير من الأحيان لم تكن هذه المساعي السعودية أعمالاً فاضلة”.

ويسرد هندرسون عوار هذه الاستراتيجية الدعائية وتناقضاتها ما بين إرادة بن سلمان أن يعلن عن نفسه كمجدد ومؤسس ومصلح شاب، وبين لجوئه إلى تشبيهات واستعارات تاريخية تؤكد بنيوية دور المملكة التاريخي في تثمين والإشادة بالتطرف وتقديس القوة والغطرسة في أي وقت منذ نشأتها، فيرد الكاتب البريطاني على تشبيه بن سلمان للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بـ”هتلر جديد” في الشرق الأوسط، وتكراره لهذا التشبيه في لقاءاته بالإعلام الأميركي بأنه “إذا ما اقتبس المرء سابقة تاريخية، فهناك دائماً خطر إعطاء بعض العلماء إشارة يذكرون فيها العالم بأنه من خلال الحُكم على أحداث الحرب العالمية الثانية، فإن موقف السعودية عرضة للنقد. فهي لم تنتظر فقط حتى مايو 1945 لإعلان الحرب، بل أن أمراء سعوديين، أعمام الأمير محمد بن سلمان، عمدوا إلى زيارة هتلر في أواخر ثلاثينيات القرن المنصرم. وفي السبعينيات، ارتأى الملك خالد أن الفوهرر” كان رجلاً حصيفاً، وكان ولي العهد آنذاك الأمير عبدالله (الذي أصبح لاحقاً ملك السعودية) يصدم الدبلوماسيين الزائرين ويعرض عليهم خنجراً أهداه إياه هتلر”.

وبخلاف لجوء السعودية في تبييض صفحتها أمام الرأي العام الأميركي لاستعارات تاريخية وسياقات مشوهه، فإن التضليل الأبرز لا يكمن في توحيد رؤية الرياض وواشنطن تجاه طهران وهو الأمر البديهي، ولكن ضبط التزامن لاستعادة المبادرة في الشرق الأوسط عن طريقة وكالة المصالح الأميركية من تحالف إقليمي مكون من حلفاء واشنطن التقليديين وليس بتدخل واشنطن المباشر تحت عنوان عريض هو الحفاظ على استقرار مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وهو ما يعرقله في تناقض صارخ مسلك هؤلاء الحلفاء وعلى رأسهم السعودية، بسبب ارتجالها وعشوائية قراراتها الداخلية والخارجية في الأعوام الأخيرة، والتي تفسد سردية الاستقرار في الشرق الأوسط وتحييد ما يهدده، وهنا يشير هندرسون إلى تناقض في سياسات المملكة تحت قيادة بن سلمان بقوله: “حين تلقى الإصلاحات الاجتماعية التي يجريها الأمير محمد بن سلمان – مثل السماح للمرأة بقيادة السيارة وتعزيز الإسلام المعتدل – استحساناً واسع النطاق على الصعيد الدولي، وتُعتبر رؤيته الاقتصادية ضرورية وإن كانت على الأرجح مفرطة في الطموح، إلا أنه يُنظر إليه على أنه أقل ثباتاً في السياسة الخارجية. فقد تحولت حرب اليمن إلى مستنقع موحل وسط الصحراء. كما أن فرض حصار على قطر، بالتعاون مع صديقه المقرب ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، قد فشل في إخضاع جارتهما المجاورة المزعجة بالسرعة التي توقعها الرجلان. كما أن لي ذراع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الذي أدى إلى استقالته لفترة وجيزة اعتُبر أمراً سخيفاً”.

وبعيداً عن جدال الإعلام والدعاية والعلاقات العامة والخاصة التي باتت “كل السياسة” لمعظم متخذي القرار في الشرق الأوسط، فإن النموذج السعودي وتحديداً فيما يتعلق بمحددات العلاقات الأميركية السعودية وإعادة تأسيسها لم يخرج حتى كتابة هذه السطور عن طور “الاستثناء” الذي يمثله ترامب وطاقمه الرئاسي وأسلوب إدارته، وبالتالي فإن اعتياد “إعادة التأسيس” هذا قد يكون في السنوات القادمة روتين تقليدي لأي من الإدارات القادمة غيته وهدفه الاستيلاء على المزيد من الأموال السعودية اقتداء بترامب، بغض النظر عن بروباجندا توحيد الرؤية بين البلدين تجاه عدو مشترك، ففي المحصلة نجد أن ما يقارب تيريليون دولار ما بين قيمة الأموال التي حصدها ترامب بشكل رسمي من الرياض وما بين التي أنفقتها الأخيرة لتحسين صورتها في الداخل الأميركي يفوق أقصى التقديرات جموحاً إذا اشتبكت المملكة في صراع مباشر مع خصومها في المنطقة.