ما بعد الغوطة.. الأزمة السوريّة نحو الأطراف والحدود 2/2

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

يحدد عاملان رئيسيّان، مترابطان، إطلاق ومن ثم تطوّر المعارك الكبرى التالية في سوريا، التي تقع جميعا على أطراف وحدود الدولة، بالتداعيات السياسيّة الإقليميّة والدوليّة لذلك؛ الأول ميداني؛ ويشمل المساحة المطلوب السيطرة عليها والطبيعة الطوبوغرافيّة للأرض والكثافة السكانيّة، وخطوط الإمداد المغذّية للفصائل ونقطة انطلاق تلك الخطوط من خارج البلاد، ويشمل أيضا القوى المسيطرة “المحيطة” بالمساحة مضافَة للمسيطرة على المساحة نفسها.

والعامل الثاني سياسي؛ ويشمل الارتباطات الخارجيّة للفصائل المسيّطرة على المساحة، أي تبعيّتها لقوى إقليميّة أو دوليّة وتمثيلها لمصالحها على الأرض، بما يترتّب عليه من تحرّكات سياسية مضادّة من تلك القوى وحلفائها، لإجهاض العمليّة السورية من خلال الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة ومجلس الأمن أو غيرهما من الضغوط.

درعا والقنيطرة

ترتبط درعا بظهير جغرافي لها أي محافظة القنيطرة المحاذية للجولان المحتلّ، وبصفة عامة تقع الجبهة الجنوبية لسوريا في مواجهة “مظلة صهيونية” لا تكتفي بمراقبة الأوضاع وتطوّرات المعارك بين الجيش السوري وفصائل القنيطرة ودرعا، بل دعمت فصائل القنيطرة دعما مباشرا شمل علاج مصابيها في فلسطين المحتلّة، فضلا عمّا توالى من اعترافات لمنشقّين عن الفصائل بشأن دعم صهيوني أعمق، يمتد إلى الغطاء الجوي العسكري والتنسيق العمليّاتي في مواجهة الجيش السوري.

يمكن اعتبار أن القنيطرة والجولان المحتل هما “مفتاح” موقف ووضع درعا العسكري والاستراتيجي، مع الخطوط الحمراء التي يفرضها الظرف الإقليمي بحكم أن الطرف السوري لا يرغب، حتى الآن، في أن يكون البادئ بما يسبب حربا إقليمية شاملة في المنطقة، وقد يفسر هذا، جزئيا، وقف الجيش السوري لاندفاعته الأخيرة داخل درعا منذ أشهر، التي استهدفت الوصول إلى حدود المحافظة مع الأردن، وبعدها جُمّدت جبهة درعا بخضوعها لاتفاق مناطق خفض التصعيد، لكن مع صرف النظر عن التعامل العسكري مع فصائل القنيطرة، بحكم تماسّها المباشر مع قوات الاحتلال الصهيوني للجولان، واستغلال الأخيرة لأي عملية للجيش السوري هناك لفتح النار والترويج لأن السوريين يبدأون بالاعتداء، إلا أن مساحة وهامش التحرّك في درعا أوسع وأفضل للجيش السوري، وهذا مجَرّب من قبل.

من ناحية أخرى، قد يدفع المتغيّر الحادث بإسقاط سوريا لطائرة سلاح الجو الصهيوني، فبراير الماضي، الإدارة السوريّة إلى التفكير في تحريك الجبهة الجنوبية، التي تستمد أهميتها من قربها للعاصمة دمشق، من ناحية، ومن انفتاحها على الأردن والكيان الصهيوني، وكلاهما طرفان يستحيل التوافق والتفاهم معهما سياسيا حتى الآن وبالشروط العامّة الحالية، على عكس تركيا المنفتحة حدودها على إدلب، التي يجيد الطرف الروسي التنسيق معها بخصوص دعمها وإمدادها للفصائل الإرهابية الرابضة على الطرف الشمالي لسوريا.

عامل آخر يواجه الدولة السورية بشأن درعا يكمن في وجود حواضن شعبية للإرهاب التكفيري في المحافظة، مع تعقّد القطع النهائي لخط إمداد الفصائل القادم من الأردن، واحتياج ذلك لوقت طويل، بالإضافة إلى جيب السيطرة الداعشي المحدود في محافظة القنيطرة، والمتماس مع سيطرة الاحتلال الصهيوني في الجولان المحتلّ.

إدلب

لأعوام، استقبلت إدلب العناصر الإرهابية المستسلمة للدولة السورية، بتحرير الأخيرة لمناطق كانت تحت سيطرتهم، الأمر الذي انعكس داخل إدلب في هيئة صراعات مسلّحة متوالية ومعقدة بين عدد كبير ومختلط من الفصائل التكفيرية، يطبعها، بصفة عامة، الطابع التركي والقطري، مع الأيديولوجية التكفيريّة الموَحّدة لها جميعا، ويعود قطاع كبير من عناصرها إلى خلفيات اجتماعية وسياسية ذات صلة بجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، ذات الحواضن الشعبيّة في المحافظة، وبما سُمّي بـ”الجيش السوري الحر” الذي انفرط عقده بعد نحو عام من تأسيسه في 2011.

من ناحية أخرى، شهدت إدلب سيولة في انتقال العناصر بين مختلف فصائل الحرب السورية، لسبع سنوات، وتنوّع وسيولة للدعم المالي والسياسي والعسكري لتلك الفصائل من أطراف عديدة، نسّق لها الطرف التركي وصول الدعم وتوزيعه، ومنها المخابرات المركزية الأمريكية مباشرة وبشكل معلَن، الأمر الذي انعكس في كثافة عالية للتسليح في المحافظة وتزاحُم في عدد الفصائل، المنقسمة على نفسها بلا تصوّر سياسي موحّد يجمعها، وبلا “حل تركي” واضح وحاسم لتوفيق أو شرعنة وضعها في إدلب، بما يضمن عدم محاسبة عناصرها ويكفل لها مكاسب سياسية ولو في الحد الأدنى، بعدما بات الدعم المخصص لها شحيحا بفشلها مؤخرا في تحقيق تمدد على الأرض.

بحكم الأمر الواقع والجغرافيا، يستحيل تحقيق حسم نهائي لوضع إدلب، عسكريّا أو سياسيّا، دون التعاطي والتدافع مع الطرف التركي إيجابا أو سلبا، وإن يواجه ذلك عقبات أمام تركيا نفسها، التي تتراوح علاقتها المعقّدة بفصائل إدلب بين القدرة على الضغط عليها وتوجيها، من ناحية، واستقلاليّة نسبيّة للفصائل ميدانيّا من ناحية أخرى، فضلا عن غموض مآلات ومصائر آلاف العناصر التكفيريّة، واقعيّا، إذ لن يستطيع طرف إقليمي تحمّل مسؤوليّتهم، حال طردهم وبسط الدولة السورية سيادتها على المحافظة، حتى لو تمّت، بشكل أو بآخر، تصفية ملف ما يحوزونه من سلاح ثقيل.

وما يضيف المزيد من التعقيد لإدلب، كثافتها السكانيّة العالية مضافة لاتّساع مساحتها، ما يشكّل تحديا أمام القوّات السوريّة التي ستعمل، إن أطلقت عملية عسكريّة لتحرير إدلب، تحت ضغط سياسي من القوى الغربيّة والإقليميّة، وخلط معتاد للأوراق سواء باعتبار القوى المسيطرة هناك “معتدلة” بصفة عناصرها “ثوارا”، أو بالابتزاز الإنساني للرأي العام الإقليمي والدولي باستخدام احتواء المحافظة لآلاف المدنيين، ستتخذهم الفصائل دروعا بشرية في مواجهة العملية كما حدث في الغوطة الشرقيّة لدمشق.