ما بعد الغوطة.. الأزمة السورية نحو الأطراف والحدود (1- 2)

لا تعود صعوبة توقع الوجهة القادمة لعمليات الجيش السوري فقط إلى التعدد الكبير في الخيارات، بعد الانتهاء من الغوطة الشرقية لدمشق، جيب السيطرة الإرهابية الذي كان لصيقا بالعاصمة، بل بشكل رئيسي إلى القدر الكبير من التعقيد في موقف المناطق الباقية تحت سيطرة الفصائل الإرهابية إلى الآن، ورغم الدعم الإقليمي والدولي الثابت للفصائل، الذي تزايد خلال تحرير الغوطة، لم تغب حقيقة أن الموقف الميداني للمنطقة، عسكريا، لم يكن تعجيزيا أمام العقل المخطط لعمليات الجيش.

رغم اكتظاظ الغوطة بالمدنيين، مما يعقد الحسم العسكري ويؤخره، ورغم قربها من العاصمة ومن ثم إمكانية الإرهابيين لاستهداف الأخيرة بالقصف الصاروخي خلال المعركة، واجه الجيش السوري هناك، بصفة عامة، جيبا محدود المساحة ومحاصرا من جميع الجهات، وقطعت، بسهولة، خطوط الإمداد عنه، فضلا عن انتشار حواضن وكتل شعبية مؤيدة للدولة السورية في أحياء وبلدات الغوطة، وهو ما اتضح مع خروج المدنيين من المعبر الآمن الذي وفّرته الدولة بالتوازي مع العملية العسكرية؛ مع حضور، أشارت إليه وقائع وتفاصيل المعارك، للاستخبارات العسكرية السورية داخل المنطقة، التي كانت محتلّة تكفيريا بالكامل، والواقعة في محافظة ريف دمشق، أي في قلب أرض الوطن السوري دون تماس مع حدود خارجية مع الدول المحيطة. عوامل عدة أفضت في النهاية إلى حسم وضع الغوطة خلال شهر واحد بعد 7 سنوات من الاحتلال التكفيري، سنوات تُرجمت على الأرض إلى تحصينات ووسائل دفاعية كفلت تعقيدا نسبيا لعملية التحرير رغم محدودية المساحة.

لا تحمل الأشهر القادمة للإدارة السورية مواقف عسكرية على تلك السهولة النسبية، إلا بخصوص بعض الجيوب المحدودة لداعش وغيرها والمحاصرة من جميع الجهات، وعلى العكس، يوصِل تحرير الغوطة الجيش السوري إلى محطة “المعارك الكبرى” مرة أخرى، بعد معركة حلب في عام 2016، وحسم السيطرة على تدمر نهائيا وللمرة الأخيرة ثم معركة دير الزور، عام 2017؛ على أعتاب المعارك الكبرى في الحرب السورية يواجه الجيش السوري، كما فعل من قبل، عدة عوامل فارقة تحدد سمات المعركة، ومداها الزمني وإيقاعها ومدى تعقيدها وحدتها، ومراحلها وسقف وتوقيت استخدام التفاوض بشأنها، وحدود المشاركة الروسية المباشرة فيها والغطاء السياسي الروسي المُتاح بشأنها وسقفه.

يحدد عاملان رئيسيان، مترابطان بطبيعة الحال، إطلاق ومن ثم تطور المعارك الكبرى القادمة في سوريا، التي تقع جميعا على أطراف وحدود الدولة، بالتداعيات السياسية الإقليمية والدولية لذلك؛ العامل الأول ميداني، ويشمل المساحة المطلوب السيطرة عليها والطبيعة الطوبوغرافية للأرض والكثافة السكانية، وخطوط الإمداد المغذّية للفصائل ونقطة انطلاق تلك الخطوط من خارج البلاد، ويشمل كذلك القوى المسيطرة “المحيطة” بالمساحة مضافَة للمسيطرة على المساحة نفسها، والعامل الثاني سياسي، ويشمل الارتباطات الخارجية للفصائل المسيطرة على المساحة، أي تبعيتها لقوى إقليمية أو دولية وتمثيلها لمصالحها على الأرض، بما يترتب على ذلك من تحركات سياسية مضادة من تلك القوى وحلفائها، لإجهاض العملية السورية من خلال الجمعية العاّمة للأمم المتحدة ومجلس الأمن أو غيرهما من الضغوط.

هذا النمط من التعقّد نجد أعلى تمثّل له، حاليا، في جبهة القنيطرة والجولان من حيث شمولها، مثلا، لجيب من سيطرة داعش، تحيط به سيطرة الكيان الصهيوني في الجولان المحتل من جانب، والأردن من جانب ثان، والفصائل الإرهابية الأخرى من جانبين، مع طبقات من مناطق السيطرة إطلالا على مزارع شبعا اللبنانية المحتلّة ومحيطها، بموقعها الاستراتيجي، تضم الجيش السوري والفصائل الإرهابية وقوات الاحتلال الصهيوني في المزارع والجولان، وفي الامتداد الشمالي والشمالي الشرقي لجبهة إدلب، وغرب حلب، تحيط بإدلب، المحتلّة تكفيريا بالكامل، الأراضي التركية من جانب، ومنطقة سيطرة الجيش الحر والجيش التركي (قوات عملية غصن الزيتون) في عفرين السورية من جانب ثان، والدولة السورية من جانب ثالث، وغير بعيد تقع مساحة سيطرة الجيش الحر والجيش التركي (قوات عملية درع الفرات) شمال شرق حلب، في مثلث جرابلس – الباب – أعزاز السوري.