عمالة الأطفال.. كوارث عضوية ونفسية

رغم تجريمها في القانون والدستور، مازالت أزمة عمالة الأطفال تتفاقم كل يوم، حيث أوضحت تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات، أن حجم العمالة تعدى مليوني طفل، وطبقًا للمسح القومي للظاهرة، الصادر عن المجلس القومي للطفولة والأمومة، يوجد مليونان و76 طفلاً عاملاً في مصر يمثلون حوالي 26٪ من إجمالي عدد الأطفال، بما يعني أكثر من ربع الأطفال في الشريحة العمرية من 14 إلى 16 سنة.

والكارثي في الظاهرة، ليس مجرد عمل الأطفال فقط، بل تعرضهم لأمراض لا حصر لها، مثل حالة الطفل (ف.أ) الذي التقيناه في إشارة مرور يمسح السيارات حتى يزيد من دخله، حيث يبلغ من العمر 12 عاما، وأصيب بمرض التيفود أثناء عمله، قائلا إنه ترك المدرسة حتى يعمل وينفق على أشقائه منذ أن كان عمره 7 أعوام.

وأضاف الطفل أنه عمل بورشة نجارة، ثم ورشة ميكانيكا، وكان يغيب طوال اليوم عن المنزل, حتى يضطر إلى تناول وجبات الطعام في الشارع، وبعدما عاد إلى منزله في أحد الأيام، كان يعاني ألما شديدا في بطنه مصحوبا بقيء، حتى أغشى عليه، وبعد الكشف، تبين أنه مصاب بمرض التيفود؛ نتيجة تناول طعام ملوث، ونصحه الطبيب بالراحة لمدة لا تقل عن شهر، إلا أنه عاد للعمل بعدما شعر بالتحسن، حتى لا يتأخر عن والدته واخوته.

قوانين حماية الطفل.. حبر على ورق

ويجرم الظاهرة، قانون الطفل 12/1996، والمعدل بالقانون رقم 126/2008، الذي أفرد بابا منفصلا بشأن عمالة الأطفال، ويحظر تشغيل الطفل قبل بلوغه خمسة عشرة سنة ميلادية كاملة، كما يحظر تدريبه قبل بلوغه ثلاث عشرة سنة، ونظم قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، تشغيل الأطفال العاملين، وأوضح في لائحته التنفيذية الأعمال الخطرة التي لا يجوز تشغيل الأطفال دون 17 سنة فيها؛ مثل العمل بالمناجم، أو في باطن الأرض، لكن دون تنفيذها، ما يعني أنها مجرد حبر على ورق.

وقال الدكتور أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال بنقابة المحامين، إن حالة الطفل الذي أصيب بالتيفود، ليست الأولى، بل هناك العديد من الحالات التي أصيبت بأمراض خطيرة، ووصلت إلى حد الوفاة، خاصة مع الأعمال الخطيرة؛ مثل المحاجر والمدابغ والمزارع أيضًا، حينما يرش الطفل موادا كيميائية، موضحا أنه كلما زاد الفقر، زادت نسب عمالة الأطفال، رغم أن المادة 80 من الدستور تحظر عمل الأطفال قبل سن التعليم الأساسي, كما أن قانون العمل اتفق مع قانون الطفل في حظر عمل الأطفال قبل سن 13 سنة، ومن 13 حتى 15 سنة، تكون الأعمال مجرد تدريب فقط بموافقة المحافظة، لكن القوانين يضرب بها عرض الحائط.

وأضاف مصيلحي لـ”البديل”، أن هناك لجان تفتيش بوزارة القوى العاملة، ولها الحق في الضبطية القضائية لأي صاحب عمل يستغل الأطفال، وتصل العقوبة إلى 5 أعوام حبس، كما أن المجلس القومي للأمومة والطفولة، منوط به مراقبة جميع الهيئات التي تعمل على حماية الطفل، لكن دون تنفيذ على أرض الواقع، ما يعرض الأطفال للاستغلال من قبل أصحاب الأعمال.

كراهية المجتمع تستوطن الأطفال

ولم تؤد ظاهرة استغلال الأطفال في العمل إلى إصابتهم بأمراض عضوية فقط، بل يصابون أيضًا بأمراض نفسية حادة بسبب رؤية أقرانهم وأصدقائهم في حال أفضل، خاصة أن الأطفال الذين يتم استغلالهم في العمل، يتركون دراستهم، حيث قال الدكتور رشاد محمد، أستاذ الصحة النفسية، إن الطفل الذي يترك دراسته ويعمل بأي وظيفة، يعاني من أزمات نفسية لا حصر لها.

وأضاف محمد لـ”البديل”، أن أبرز الأمراض التي يتعرض لها الأطفال العاملون؛ السيكوباتية أي العدائية ضد المجتمع، حيث يورن كل من في مثل أعمارهم يذهبون إلى المدارس ويعيشون حياتهم بشكل طبيعي غير مسؤولين عن أسرة كاملة، ما يولد لديهم شعورا بالحقد، ينمو ليصبح كراهية للمجتمع ككل، ومن هنا يتولد لديه رغبة في التخريب، لمجرد الانتقام من الأشخاص فقط، حتى إن لم يتسببوا لهم في أذى، وهي السيكوباتية التي تؤدي إلى تخريب سيارة مثلًا يقف بجوارها دون سبب، أو تفجير قنبلة لمجرد رغبته في الانتقام من المجتمع الذي حرمه من التعليم وحرمه من طفولته أيضًا.

ويتفق في الرأي الأخصائي النفسي، عامر عبد الله، قائلًا: “بالفعل، الطفل الذي يتم حرمانه من طفولته يتولد لديه شعور بكراهية المجتمع ككل، ولا يستطيع التمييز بين من قام بإيذائه أو غيره”، مضيفًا أن الطفل الذي ينزل سوق العمل في سن صغيرة، يتعرض للإيذاء النفسي والجسدي أيضًا؛ من خلال إهانة وضرب أصحاب العمل، وللأسف لا يستطيع الطفل الرد، ويظل صامتًا، وعندما يتقدم في السن، يحاول الرد على العذاب الذي تعرض له حينما كان صغيرا، بكل طرق الكراهية والعدائية للمجتمع.

وأوضح عبد الله لـ”البديل”، أن كراهية الأطفال للمجتمع بسبب التراكمات السيئة جراء العمل في سن صغيرة، ظهرت في إلقاء بعض الأطفال قطع الزجاج على المتظاهرين أثناء ثورة 25 يناير من فوق أسطح العمارات؛ ففي ظاهر الأمر يعملون على إيذاء المتظاهرين مقابل حصولهم على أموال من جهة ما، لكن في باطن الأمر، ينفثون عن رغبتهم في الانتقام من جميع أطياف المجتمع لشعورهم بالدونية والظلم، من وجهة نظرهم.