عفوا .. الرقص وحده لا يؤسس شرعية

“كلما قل منسوب الديمقراطية والتنافسية والشفافية في الانتخابات، زاد الرقص والطبل والزمر أمام لجان التصويت” هذه هي النظرية التي أرستها التجربة المصرية في علم السياسية والحكم، و أثبتتها الاستحقاقات الانتخابية على مدى السنوات الماضية.

فعندما كانت مصر تتظاهر بالمضي نحو “انتخابات رئاسية تعددية” مع الاستفتاء على تعديل الدستور عام 2005، عرفت البلاد “الرقص الانتخابي” و”الزمر الديمقراطي”، فبدأت “حلقات الرقص والطبل والزمر” أمام لجان الاقتراع مع التصويت في الاستفتاء على تعديل المادة 76 من الدستور المصري لإنهاء عصر الاستفتاء على اسم الرئيس وبدء عصر “الانتخابات الرئاسية المسرحية” الذي يضمن استمرار الرئيس أو من يريده في السلطة مدى الحياة عبر “مسرحية انتخابية” تقننها المادة الدستورية الأطول في العالم.

ومنذ ذلك الوقت أصبح الرقص أمام لجان الانتخابات الخالية من الناخبين “ماركة مميزة” للديمقراطية المصرية، باستثناء الاستحقاقات الانتخابية التي تلت ثورة 25 يناير المجيدة التي فتحت الباب أمام حياة سياسية جادة واستحقاقات انتخابية حقيقية بدءا بالاستفتاء على تعديل الدستور في مارس 2011، رغم السيطرة شبه التامة لمعكسر “نعم” على حساب معسكر الرفض، فقد تدفق طوفان الناخبين إلى لجان الاقتراع دون طبل ولا زمر.

وفي الانتخابات النيابية التالية تكرر المشهد بقوة أكبر، فاحتشد الناخبون أمام لجان الانتخاب على مدى يومين لاختيار أعضاء البرلمان رغم ما شاب العملية السياسية والانتخابية من مخالفات وانتهاكات، كان أبرزها زيادة المكون الديني في هذه العملية بسبب إطلاق يد التيارات الإسلامية لتمارس كل دعايتها غير القانونية. وكانت النتيجة انتخابات تنافسية نزيهة وشفافة وكثافة تصويتية غير مسبوقة بدون رقص.

وكانت أخر الانتخابات الخالية من الرقص والزمر والمحشونة بالسياسة والديمقراطية هي انتخابات الرئاسة 2012 التي شهد لها العالم رغم غياب “الرقص الديمقراطي”.

ورغم خروج الشعب في 30 يونيو 2013 لإسقاط نظام حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي وجماعة الإخوان بسبب الخوف من انقلاب هذه الجماعة على قواعد اللعبة الديمقراطية، فإن نظام الحكم الذي تولى مقاليد البلاد بعد بيان 3 يوليو 2013 الذي أطاح بحكم جماعة الإخوان وذهب بها وبرجالها إلى السجون، هو الذي انقلب على الديمقراطية بأكثر مما كان يخشى أشد الناس تشاؤما، فكان من الطبيعي أن يعود الرقص والطبل والزمر أمام لجان الانتخابات بدءا من الاستفتاء على تعديل الدستور في 2014 وانتهاء بانتخابات الرئاسة الحالية التي جرت مرحلتها الأولى في الخارج.

فقد أبهرنا العالم بحلقات الرقص والطبل والزمر أمام لجان الانتخابات في السعودية والإمارات والكويت، رغم غياب الناخبين، فالأرقام الأولية الصادرة عن الجهات المعنية بإدارة العملية الانتخابية. ففي البحرين بلغ عدد المصوتين بحسب السفيرة سهى إبراهيم محمد 3423 ناخبا، في حين تشير التقديرات الرسمية إلى أن عدد المصريين في البحرين يبلغ 22 ألف مصري أغلبهم في سن الانتخاب أي أن نسبة المشاركة بلغت نحو 15%. وفي السعودية وبحسب صفحة “محبي السيسي” على موقع تويتر حصل الرئيس عبدالفتاح السيسي على ٣٣ ألف صوتا مقابل 250 صوتا لمنافسه موسي مصطفي موسي، أي بإجمالي عدد ناخبين قدره 33250 صوتا، في حين أن حجم الجالية المصرية في المملكة يصل إلى 2.7 مليون مواطن فإذا افترضنا أن عدد من يحق لهم الانتخاب يصل إلى مليوني مصري فإن نسبة المشاركة لا تزيد عن 1.5% تقريبا، المشهد نفسه يتكرر في أغلب دول العالم التي فر إليها المصريون هربا من الحياة البائسة في وطننا العزيز.

فهل يتصور القائمون على أمر البلاد والعباد أن وجود عدة آلاف يرقصون ويغنون أمام لجان الانتخابات يكفي لمنح الانتخابات الهزلية، الشرعية المنشودة؟ وهل يتصور هؤلاء أن العالم يمكن أن يعترف بأن انتخاباتنا نزيهة وحقيقية لمجرد حشد مئات من البؤساء الذين يرقصون أمام لجان التصويت؟

عفوا يا سادة، الأمر ليس كذلك. فالرقص والطبل والزمر لا يحقق أي شرعية لنظام حكم أصر على استبعاد أو إبعاد كل من يمكن أن يمثل تهديدا انتخابيا له. وأصر على تأميم الحياة السياسية في البلاد على كافة مستوياتها سواء بهندسة الانتخابات النيابية فلا ينجح فيها إلا من يحمل “خاتم الوطنية” من الأجهزة المعنية، أو بملاحقة كل من يحمل صوتا معارضا سواء في السياسة أو في الإعلام.

لم يحتاج العالم إلى الرقص والطبل والزمر لكي يقف مذهولا ومبهورا أمام طوابير الناخبين المصريين الحقيقية في انتخابات برلمان 2012 وانتخابات الرئاسة 2012 لأنها ببساطة كانت انتخابات جادة حتى لو حاول الفائزون في هذه الانتخابات الانقلاب على قواعد الديمقراطية فتمكن الشعب من قلبهم.

أخيرا، فالرقص والطبل والزمر في الخارج أو الداخل لا يضمن للانتخابات أي شرعية لأن الشرعية ببساطة يضمنها الناخبون الذين قاطعوا لجان الانتخابات منذ استفتاء دستور 2014 ولا عزاء للباحثين عن شرعية مزيفة عبر انتخابات مصطنعة.