عسكرة إدارة ترامب.. بولتون ينضم لـ”مجلس الحرب”

تتجه الإدارة نحو العسكرة كبديل توافقي عن الشعوبية التي ميزتها منذ الحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب وحتى أواخر العام الماضي، والذي تصاعدت فيه علامات استفهام وتعجب من نمط إدارة ترامب في معالجة السياسات الخارجية، ومدى نفوذ بعض الدول -سواء كانوا حلفاء أو خصوم- داخل البيت الأبيض، وتوجيه قرارات الرئيس الأميركي عبر شكل الشركاتية العائلية التي تختزل السياسة في شكل إدارة الشركات، والتي سمحت حسب تحقيقات لجنة مولر في شبهة نفوذ لموسكو في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

المنعطف الأبرز والأخير في هذا الاتجاه جاء قبل يومين بقرار ترامب تعيين جون بولتون كمستشار للأمن القومي الأميركي بدلاً من هربرت ماكمستر، ليكتمل سلسال إحلال وتبديل إدارة ترامب بالكامل – عدا نائبه مايك بنس ووزير الدفاع جيمس ماتيس- منذ دخولها البيت الأبيض العام الماضي.

بولتون الذي يُعد وجه قديم جرى استدعائه من أقصى تيارات المحافظين في الولايات المتحدة، والذي أطلق عليهم إبان إدارة بوش الأبن “المحافظين الجدد”، يمتهن المحاماة وشغل عد مناصب إدارية ودبلوماسية منذ إدارة رونالد ريجان كان أهمها منصب سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة عام 2005. ويعد بولتون حتى بالنسبة لأشخاص مثل كوندليزا رايس وروبرت جيتس، الذين نصحوا ترامب إبان حملته الانتخابية بعدم إشراكه في الإدارة القادمة نظراً لسمعته كأحد المتشددين عقائدياً، وخاصة فيما يتعلق بالتعاطي مع البلدان الأوربية الحليفة للولايات المتحدة؛ فيرى محللين أميركيين أن بولتون ينتمي إلى نمط فرض الرؤية الأميركية على الحلفاء الأوربيين كوضع طبيعي خلفته الحرب العالمية الثانية ولم ينتهي بسقوط الاتحاد السوفيتي.

وفيما يخص السياسة الخارجية للولايات المتحدة وتحديداً سياساتها في الشرق الأوسط، فإن بولتون له مواقف كانت تعد الأكثر تشدداً في إدارة بوش الأب على مستوى كافة ملفات المنطقة كلها وعلى رأسها غزو العراق والقضية الفلسطينية، سواء في تبرير الغزو حتى الأن، أو دعم إسرائيل المطلق في كافة اجراءاتها ضد الفلسطينيين بما فيها “تأديب بالحديد والنار” للمقاومة إبان حرب 2009 على قطاع غزة؛ حيث يرى بولتون  خيار الحرب اختيار عادي، على اعتباره من أنصار أن الحرب وسيلة للسياسة وليس كخيار أسوأ اضطراري.

وبخلاف العراق وفلسطين، كان بولتون صوت واشنطن المتشدد في الأمم المتحدة وأحد مهندسي نظرية “محور الشر”. ويشهد له باستخفافه بالنظام الدولي ومواثيق الأمم المتحدة بشكل علني، حتى أنه نُسب له تصريحاً في أواخر 2006 قال فيه “لو تم حذف عشر طوابق من مبنى الأمم المتحدة فلن يحدث شيء”، في إشارة إلى نظرة التهميش لكل دول الأمم المتحدة عدا القوى الخمس الكبرى وحلفاء واشنطن.

أما الأن فإن مواقف بولتون تتسق مع رؤية الإدارة الحالية وخاصة فيما يتعلق بكوريا الشمالية وإيران، حيث يرى أن هناك ضرورة لضرب بيونج يانج كخطوة وقائية، ويرى “تقويم” إيران عبر عمل عسكري أمر حتمي، وخاصة بعد الاتفاق النووي الذي باتت واشنطن قاب قوسين أو أدنى من الانسحاب منه، والذي وجه بولتون ضده هجوم كبير عشية توقيعه في عهد إدارة أوباما، وأخذه كنموذج على “ضعف وتهاون” السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهده.

هنا يمكن النظر إلى تعيين بولتون بكل خلفياته المتطرفة كاتساق لمشهد التبديل والإحلال الذي تمر به إدارة ترامب والذي لم يعد استثنائي على الرغم من أهميته ودلالاته المستقبلية. إلا أنه من جهة أن هذا القرار الذي يأتي عقب أقل من أسبوع من الإطاحة بوزير الخارجية ريكس تيلرسون، يؤكد على أن استدعاء وجوه زمن “الحرب” مطلع الألفية الجديد يأتي في سياق يجعل إدارة أوباما هي الاستثناء للإدارات الأميركية المتعاقبة منذ إدارة ريجان أوائل الثمانينيات.

فبالنظر إلى نمط السياسة الخارجية الأميركية للإدارة الحالية، وأنها ليست سوى الوجه الأكثر صراحة بين الإدارات الأميركية المتعاقبة، كونها أتت كعنوان لمرحلة جديدة اعتبرها البعض “عسكرة للسياسة الأميركية” لم تشهدها واشنطن حتى بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر؛ فتعيين رئيس وكالة الاستخبارات المركزية مايك بومبيو خلفاً لتيلرسون، وتعيين جينا هاسل خلفاً لبومبيو في الاستخبارات الأميركية يجعلهم بخلفياتهم المتطرفة والمشينة أحياناً –تولت هاسل إدارة سجن سري للاستخبارات الأميركية في تايلند- مع وزير الدفاع جيمس ماتيس “إدارة حرب” عسكرتها تتفوق على كل من إدارة بوش الابن وكافة الإدارات الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، والتي لم تلغي مبدأ الدبلوماسية والتفاوض كما تفعل إدارة ترامب حالياً، ويأتي بولتون الأن بكل مواقفه وخلفياته المتطرفة ليؤكد اتجاه العسكرة هذه، وتهميش أي أداة سياسة أخرى أمام خيار الحرب التي يبدو أن التلويح بها وشنها هو محض إعلان وتصريح بأنهُ جوهر السياسة الأميركية.

واتساقاً مع هذا الاتجاه، نجد أن محددات السياسة الخارجية الأميركية على مستوى ملفات مثل كوريا الشمالية، الصين، الاتفاق النووي مع إيران وكذلك سياسات روسيا في الشرق الأوسط يستدعي ما يمكن اعتباره منفذين لها وليس فقط أصحاب رؤى طويلة الأمد، ناهيك عن تبنيهم وإيمانهم الراسخ لهذه المحددات التي كثيراً ما نادوا بها بشكل علني والتي من الممكن تسميتها بالدبلوماسية العسكرية. لكن لاعتبارات سياسية وإعلامية تم تأجيل استدعائهم إلى مثل هذه المناصب الهامة إلى حين الوصول إلى منطقة وسط بين ترامب وبين المؤسسات الأميركية، والتي ذروتها الاستراتيجية الدفاعية للولايات المتحدة التي أعلن عنها قبل شهرين، والتي لم يجرؤ ترامب سوى على التوقيع عليها واعتمادها نظراً لعدم امتلاكه خبرة في هكذا ملف أو حتى توفر عناصر من إدارته قادرين على فرض استراتيجية بديلة، وبالتالي تأتي هذه التغييرات في إدارته ليس فقط لضروة المرحلة ولكن لأن هذا الاستدعاء لوجوه قديمة يأتي من باب أنهم بخلاف مواقفهم المتطرفة فأنهم يمتلكوا الحد الأدنى من الخبرة والعملياتية لم يتوفر في إدارة ترامب في شكلها القديم.

من هذه الزاوية نجد أن عملية الإحلال والتبديل هذه تأتي ضمن صورة أعم وهي “إصلاح” إدارة ترامب شريطة لاستمرارها، عبر توافق بدا في الآونة الأخيرة بين أهم المؤسسات في واشنطن، اعتمد ترامب من خلاله مراوحة تجمع ما بين تسوية بينه وبين المؤسسات الأميركية الأهم لاستمرار إدارته بعيد عن تعطيل تشريعي أو إجرائي من جانب هذه المؤسسات يزيد من إخفاقات هذه الإدارة؛ فاعتمد ترامب رؤية البنتاجون تجاه عدة ملفات أولها وأهمها الاستراتيجية الدفاعية الأميركية الجديدة، التي أعادت أجواء الحرب الباردة بالحد الأدنى وترشح لمزيد من التصعيد بين واشنطن وموسكو وبكين فيما يتعلق بسباق التسلح وتطوير الترسانة النووية وكذا صراعات السيطرة والإزاحة على المياه الدولية؛ أي باختصار عسكرة التنافس بين واشنطن وهاتين القوتين، وهو الأمر الذي لم يعد يصلح معه بقاء رموز إدارة ترامب الشعبوية من ستيف بانون إلى ريكس تيلرسون، الذي يعتبره البعض الأكثر عقلانية بين رموز إدارة ترامب قبل عام والآتيين كلهم –باستثناء ماتيس- من خارج المؤسسات الرسمية، ويحل محلهم أشخاص توافقيين من هذه المؤسسات ومتسقين مع هذا المنهجية ولهم خبرة بها، مثل بولتون وبومبيو وهاسل وقبلهم ماتيس، والذين يعبروا عن جوهر رؤية هذه المؤسسات ويتقاطعوا مع ترامب في الخطوط العريضة لسياساته إن جاز التعبير.