القناطر الخيرية.. الطبيعة الخلابة تضربها رياح الإهمال

تصوير: محمد منير

القناطر الخيرية، مدينة في محافظة القليوبية، تقع في المنطقة التى يتفرع فيها النيل لفرعي رشيد ودمياط، وتستمد اسمها من “قناطر محمد علي” التي تتحكم في تدفق المياه للرياحات الثلاث الرئيسية في دلتا النيل (المنوفي، والتوفيقي، والبحيري)، وتتميز بمساحات كبيرة جدًّا من الحدائق والمتنزهات، وتعتبر واحدة من أهم المعابر لوسط الدلتا، وتبعد نحو 20 كم عن القاهرة.

تتمتع القناطر الخيرية ليس بالطبيعة فقط، ولكن تضم عدة آثار، منها قصر الخديوِ الذي بناه محمد علي باشا، مؤسس القناطر، والذي كان يتخذه الملك فاروق كاستراحة له، وكذلك توجد استراحة شهيرة للرئيس المصري السابق محمد أنور السادات، حيث كان يقيم فيها أكثر وقته، وكان يستقبل فيها معظم ضيوفه من رؤساء دول العالم والملوك والأمراء.

ويوجد بها محلج للأقطان، ذلك الأثر المهم الذي يتميز بموقع فريد على النيل، وقد أنشئ في عهد محمد علي باشا عام 1847، بعد أن أنشأ القناطر؛ بهدف النهوض بصناعة القطن المصري والاهتمام بزراعته، خاصة أن القطن المصري يمتاز بالجودة والمتانة على مستوى العالم، والمحلج حاليًّا يخضع لعملية تطوير؛ لتحويله إلى مركز عالمي للحفاظ على التراث المصري.

وتعتبر القناطر الخيرية أحد أبرز الأماكن المشهورة بمواصفات السياحة الريفية، حيث الطبيعة الخلابة ومياه النيل والجو النقي، ولكن الإهمال يتسرب يومًا بعد الآخر تجاه هذه الأعجوبة الفريدة على ضفاف النيل.

البديل رصدت أثناء جولتها بالقناطر مظاهر الإهمال التي ضربت مصيف الغلابة وفسحة المصريين.

” لم تعد القناطر فسحة المصريين مثل زمان، المكان أصبح لا يزوره سوى أهالي القناطر والمناطق المجاورة، ليرفهوا عن أولادهم يوم الجمعة، وأعداد الزائرين من القاهرة والمحافظات الأخرى أصبحت منخفضة للغاية، حتى الأتوبيس النهري لم نعد نراه قادمًا من التحرير إلا يوم الجمعة محملاً بثلث عدد مقاعده فقط”.. هكذا يقول محمد شتا أحد أهالي القناطر. وتابع: جئت مع أطفالي نظرًا لقرب المسافة من بيتنا لشلالات القناطر، ونحضر طعامنا من المنزل، حتى لا نتكبد أي نفقات في التنزة سوى قيمة المواصلات.

وأكدت ماجدة أحمد – ربة منزل- أن القناطر تغيرت تمامًا عما كانت تزورها عليه وهي صغيرة منذ عشرين عامًا، أصبحت مهملة، وكأنها منطقة نائية، معظم حدائقها مغلقة، ولا توجد خدمات كالحمامات أو مطاعم لبيع مأكولات جيدة. واستطردت: قديمًا كانت القناطر متنزة الغني والفقير، وجميع المصريين يقضون إجازتهم الأسبوعية في حدائقها الجميلة بجوار النيل، ولكن الآن تحولت إلى شبه خرابة، تحتاج إلى التطوير وفتح حدائقها وتوفير خدمات بها لتجذب الزائرين.

ويقاطعها علي محمود – على المعاش- أنه فوجئ بالتدهور الذي أصاب القناطر، مشيرًا إلى أنه جاء مع أحفاده للتنزه، ليكتشف أن كل شيء تغير، تلك الشاليهات التي كانت تؤجرها وزارة الري قديمًا للأهالي لقضاء يوم بها تحولت إلى خرابات مهدمة، متروكة بدون ترميم أو اهتمام، حتى المحلات التي كانت في الممشى المقابل للشاليهات أصبحت مغلقة.

ويقول أبو أحمد – سائق حنطور – إن الإقبال على زيارة القناطر أصبح موسميًّا ومحدودًا للغاية، حيث أعياد شم النسيم والفطر والأضحى، بينما لا تستقبل سوى زيارات طفيفة خلال أيام الجمعة طوال السنة. وأضاف أبو أحمد أن المكان ينقصه الدعاية الكافية، مشيرًا إلى أنه يتذكر منذ سنوات توافد السياح العرب وخاصة من الخليج على القناطر للاستمتاع بجولة نيلية في القناطر والتنزه بين حدائقها، مطالبًا بتوفير مطاعم سياحية تجذب السياح للقناطر، وتنظيم حفلات؛ من أجل جذب أعداد من الزائرين طوال العام وليس المواسم فقط.

المهندس مختار سعيد – أحد الزائرين – قال إنه يصطحب أطفاله للقناطر أسبوعيًّا، حيث يعتبرها فسحة لتنقية أجهزتهم التنفسية من عوادم السيارات وزحمة القاهرة، مشيرًا إلى أن القناطر لو كانت في دولة أخرى لديها خطة ورؤية، لكانت تستغلها بطريقة جيدة، ولا تتركها للإهمال. وأضاف: نسمع يوميًّا في الإعلانات عن الكومباوندات التي تحفز العملاء على الشراء ووحدات سكنية بالريف الأوروبي في قلب الصحراء، وتترك الدولة ريفًا مصريًّا حقيقيًّا مليئًا بالحدائق وعلى ضفاف النيل، ثروة مهدرة تستوجب تنفيذ مشروعات تجارية وترفيهية تجذب المصريين إليها.

ويشكو ربيع عبد الله – صاحب لانش نيلي – من ضيق الحال وقلة عدد زائري القناطر، وأن مركبه يظل أسبوعين بلا حراك في النيل لغياب الزبائن، إلا في أيام الأعياد فقط، لافتًا إلى أن الجولة النيلية بالقناطر تتراوح أسعارها بين 70 و100 جنيه للساعة. ويفسر ربيع غياب المواطنين بغلاء الأسعار وصعوبة الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلد، مشيرًا إلى أن الترفيه أصبح آخر ما يفكر فيه المواطن المصري، فهو يسعى فقط إلى إطعام أولاده ومصاريف الدروس الخصوصية، ولكن التنزه أصبح رفاهية لا يتحملها المواطن.

وتقول الحاجة سعاد إن شلالات القناطر تظل مصيف الغلابة لغير القادرين، حيث يلجأ لها أهالي القليوبية؛ لعدم مقدرتهم على السفر إلى الإسكندرية في فصل الصيف. وأكدت أنها تحرص على زيارتها كل عدة أشهر للاستماع بجوها النقي، خاصة أن زوجها يهوى الصيد في نيلها، وتكون فسحة منخفضة التكاليف للترفيه عن أولادها.