التغيرات السياسية الخارجية وانعكاسها على ملفات الشرق الأوسط

أحدثت التغيرات السياسية الأخيرة بما فيها الانتخابات الخارجية التي جرت في العديد من الدول كروسيا والصين وألمانيا وإيطاليا، والتغيرات الطارئة والمستجدة في البيت الأبيض الأمريكي، تأثيرا على العديد من ملفات الشرق الأوسط.

الانتخابات الروسية والتغيرات الصينية:

قبل قرابة أسبوع استطاع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تثبيت أقدامه كقيصر لروسيا لولاية رابعة حتى العام 2024، وهي فترة طويلة نسبيًا تمدد له 6 سنوات قادمة، الأمر الذي سيمنح روسيا ثباتًا في سياستها، فالرئيس الروسي حصل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة على أعلى نسبة تصويت شهدتها روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فحقق 67%، الأمر الذي يشير إلى وجود رضا شعبي كبير عن سياساته الداخلية والخارجية، ويضاف إلى ثبات الاستراتيجية الروسية في المنطقة، متلازمة الرئاسة الروسية “بوتين-ميدفيدف”، وتصاعد النهج العدواني من قبل واشنطن لروسيا.

ومؤخرًا شهدت السياسة الروسية طفرة على الصعيد الدولي، خاصة خلال السنوات الأربع الماضية، من ضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية، والتدخل في الحرب التي تشهدها سوريا لصالح الحكومة ضد الجماعات والفصائل المسلحة، ناهيك عن دورها الفعال في الملف النووي الإيراني والذي يشكل استقطابًا حادًا مع الغريم الأمريكي.

وصول بوتين للحكم مجددًا يعني بالضرورة استمرار استراتيجيته في منطقة الشرق الأوسط، ومن أهمها الملف السوري، ومؤخرًا بدت الإرادة الروسية قوية لحسم هذا الملف لصالحها، على الرغم من المحاولات الأمريكية مؤخرًا للزج بالملف الكيماوي لفرملة القطار الروسي في الغوطة، إلا أن موسكو استطاعت تجاوز العراقيل الأمريكية، وجاءت سيطرة الجيش السوري على الغوطة مؤخرًا لتؤكد انتصار المحور الروسي على حساب الأمريكي.

وفي ظل السباق الروسي الأمريكي في سوريا، تعاظم محور المقاومة. صحيح أن روسيا ليست طرفًا في هذا المحور، إلا أن وجودها في سوريا صب في صالحه، وعلى الرغم من المحاولات الإسرائيلية الأمريكية اقتلاع جذور هذا المحور من سوريا، وهو الأمر الذي بدا واضحًا من خلال مناطق خفض التوتر في الجنوب السوري، فإن مرونة حزب الله وبعض القوى العسكرية المدعومة من إيران، بالإضافة لرفض روسيا اعتبار حزب الله منظمة إرهابية واعتبارها الوجود الإيراني في سوريا شرعيًا، لأنه جاء بناءً على طلب من الحكومة السورية، كل هذا من شأنه أن يعطي مؤشرات إيجابية بأن استمرار الاستراتيجية الروسية على هذا النحو، ستعزز من قوة محور المقاومة، خاصة أن بوتين هدد أمريكا برد نووي إذا تعرّض حلفاؤه لهجوم، كما استطاع بوتين تقليم أظافر واشنطن في الملف السوري، من خلال تهميش المؤتمرات التي كانت تتدخل أمريكا عبرها في الشأن السوري كجنيف وفيينا، لصالح مؤتمرات تشرف عليها روسيا كأستانا وسوتشي.

وفيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، فالثبات الروسي في دعم هذا الاتفاق مازال قائمًا، وهو الأمر الذي سيدخله في مواجهة مباشرة مع سياسية الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي يبحث بكل الطرق لإجهاض هذا الاتفاق، إلا أن تقارب مواقف الدول الراعية لهذا الاتفاق مع الموقف الروسي قد يرجح المعركة لصالح موسكو على حساب ترامب.

وفي المرحلة المقبلة قد يكون لروسيا دور كبير فيما يتعلق بالملف الفلسطيني، خاصة في ظل قرار رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، القاضي بالبحث عن بدائل للوسيط الأمريكي بعد اعتباره القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، وتوجهه لطرق باب موسكو لتحقيق هدفه في دولية متعددة الأطراف تشرف على مفاوضات السلام.

وفيما يخص الأزمة الخليجية، نجد أن زيارة الأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني، الحالية لروسيا، تنبئ بدور مهم للدبلوماسية الروسية المستقبلية في المنطقة، ويبدو أن الدوحة تريد أن يكون لموسكو دور مواز للدور الأمريكي، في منطقة الخليج العربي، حتى لا تنفرد أمريكا بالتحكم بمشهد الأزمة الخليجية، خاصة بعد التقارب الواضح بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وصنّاع القرار في المكتب البيضاوي.

وبالانتقال إلى الصين، نجد أن التغيرات السياسية في الصين ستلقي بظلالها الإيجابية على الاستراتيجية الروسية في المنطقة، حيث أقر مجلس نواب الشعب الصيني 11 مارس الجاري مشروع قرار بإزالة بند من الدستور يحدد ولاية الرئيس بفترتين متتاليتين، مما سيمنح الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ، فرصة للاستمرار في الحكم ربما مدى الحياة بعد انتهاء ولايته الثانية عام 2022، خاصة في ظل إحكام قبضته على الحزب، بعد إزاحة معظم منافسيه الأقوياء، ضمن حملة شنها على الفساد منذ توليه السلطة، ومن المعروف أن الصين حليف مهم لروسيا في ملفين مهمين بالمنطقة، الأول الملف السوري، حيث كان الفيتو الصيني حاضرًا لدعم الموقف الروسي في محطات فارقة داخل أروقة مجلس الأمن، والملف الثاني يتمثل في دعم الصين للموقف الروسي تجاه ضرورة الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران، صحيح أن الصين تستند إلى القوة الناعمة في إدارة مصالحها في العالم والانتشار الاقتصادي لها أبرز معالم هذه القوة، إلا أنها بدأت مؤخرًا باصطفافات سياسية نحو موسكو، فعداء واشنطن لروسيا والصين عزز من فرص تقاربهما.

الانتخابات الأوروبية:

شهدت أوروبا هذا العام انتخابات في كل من ألمانيا وإيطاليا أفضت إلى وصول جهات يمينية إلى الحكم، ففي ألمانيا استطاعت المستشارة أنجيلا ميركل، المحسوبة على “وسط اليمين” الفوز بولاية رابعة لحكمها في 14 مارس الجاري، وفي إيطاليا أفضت الانتخابات التشريعة التي جرت 4 مارس الحالي، إلى توصل حركة “خمس نجوم” إلى اتفاق مع ائتلاف اليمين واليمين المتطرف لانتخاب أحد أعضائها رئيسا للبرلمان، مقابل تصويتها لصالح مقربة من سيلفيو برلوسكوني في مجلس الشيوخ، وهنا أصبحت إيطاليا بين مطرقة اليمين المتطرف وسندان الشعبويين، المؤشر الخطير في بعض الانتخابات الأوروبية هو تصاعد الحركات اليمينية وإمساكها بمفاصل الحكم، وهو الأمر الذي قد يلقي بانعكاساته السلبية على المنطقة العربية، خاصة مع صعود اليمين المتطرف، الذي ينادي باتخاذ إجراءات مناهضة للإسلام والمسلمين والتعامل الخشن مع المهاجرين واللاجئين، وتنقسم الأحزاب اليمينية إلى يمين تقليدي، ومتطرف، ويكمن الاختلاف الوحيد بينهما في أن الأخيرة تدعو إلى التدخل القسري واستخدام العنف واستعمال السلاح لفرض التقاليد والقيم.

وتكمن أهمية النظر إلى الانتخابات الألمانية وانعكاسها على المنطقة العربية والشرق الأوسط، في أن ألمانيا مؤهلة وبقوة للعب دور أساسي في السياسية العالمية، خاصة أنها مرشحة هي وفرنسا إلى وراثة الدور البريطاني كقائد لمواقف الاتحاد الأوروبي، بعدما قررت لندن الخروج منه، كما أن لألمانيا دورا يختلف بصورة أو بأخرى عن موقف الدول الأوروبية تجاه بعض ملفات المنطقة، فعلى عكس بريطانيا حظرت برلين سلاحها عن الدول المشاركة في العدوان على اليمن، وكانت الخارجية الألمانية قد وجهت الانتقاد للسعودية بالقول إن “روح المغامرة التي تتسع في السعودية منذ عدة أشهر، لن تكون مقبولة ولن نسكت عنها”.

كما أن تأثير ألمانيا في منطقة الشرق الأوسط لن يقتصر على الدول العربية، فهناك خلاف ألماني تركي في العديد من المسائل أبرزها يتمحور حول انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي والذي تشكل فيه ألمانيا رأس الحربة لمناهضته، ومن المتوقع أن تتصاعد حدة هذا الخلاف خاصة بعدما جددت أنقرة مؤخرًا رغبتها في الانضمام.

تغيرات إدارة ترامب

الربط بين الانتخابات الأوروبية والتغيرات السياسية في الولايات المتحدة سيكون له بالطبع تأثير كبير على منطقة الشرق الأوسط، فالانتخابات الأمريكية التي مضى عليها قرابة العام وأفضت لوصول اليمني دونالد ترامب إلى الحكم، مازال لها إرهاصاتها السياسية في الداخل الأمريكي وخارجة، ففي الداخل يسعى ترامب لتشكيل حكومة حرب، وهنا قد يكفينا الحديث عن شخصيتين سياسيتين وهما جون بولتون، مستشار الأمن القومي، ومايك بومبيو، الذي خلف ريكس تيلرسون، وزيراً للخارجية، خاصة إذا ما نظرنا إلى مواقفهما الأخيرة المتشددة في عدد من الملفات كإيران وكوريا الشمالية وروسيا والأمم المتحدة وغيرها.

ومن ناحية سياسية أمريكا الخارجية، فهنا لا نستطيع وضع المواقف الأوروبية والأمريكية تجاه العديد من القضايا والملفات في سلة واحدة، فبعض الدول الأوروبية كألمانيا تحدثت عن ضرورة أن تحمي الدول الأوروبية نفسها بعيدًا عن الحماية الأمريكية، وضرورة تشكيل جيش أوروبي كبديل عن الناتو، كما أن هناك إجماعا أوروبيا ضد قرار ترامب الأخير باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، بالإضافة إلى وجود توافق أوروبي حتى الآن على أهمية الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني.

لكن في المقابل هناك اصطفاف أوروبي مع واشنطن في ملفات عديدة تتعلق بالمنطقة، فحماية إسرائيل بند تشترك به الدول الأوروبية مع واشنطن وهو الدور الذي قد يتعاظم خاصة مع وصول الأحزاب والشخصيات اليمينية للسلطة، كما أن دولًا أوروبية كانت شريكة في المخططات الأمريكية التي عصفت بالمنطقة العربية، فالأدوار المشتركة لأمريكا وبريطانيا وفرنسا المشبوهة كانت واضحة في العراق وسوريا وليبيا واليمن، بالإضافة إلى أن الدول الأوروبية توافقت مع الولايات المتحدة في عدائها لروسيا بدرجات متفاوتة، وهو الأمر الذي سيلقي بظلاله بنحو سريع على دائرة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، ويبدو أن قضية العميل الروسي المزدوج “سكريبال” تبرز الاستقطاب الحاد بين واشنطن وبروكسل من جهة، وروسيا من جهة أخرى، وهذا الاستقطاب سبقه استقطاب آخر حاولت فيه أمريكا والدول الغريبة الضغط على روسيا في الملف السوري، كالمزاعم حول استخدام النظام السوري للكيماوي في الغوطة على الرغم من عدم امتلاكها لأي أدلة وبراهين تثبت ذلك.

وليس من المعروف ما إذا كانت الانتخابات الأوروبية والتغيرات السياسية المستمرة في أمريكا ستقود إلى تغيرات جوهرية في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن مراقبين يقولون بأن المدد الرئاسية الطويلة نسبيًا لروسيا والصين، قد تصنع الفارق لصالح استراتيجيتهما في المنطقة، خاصة إذا ما أضيف إليها التخبط الأمريكي والتذبذب السياسي في العديد من ملفات المنطقة، فعلاقات واشنطن مع حلفائها مشوشة، وهو ما انعكس على أطراف الصراع في الأزمة الخليجية، وعلاقتها مع الأكراد والأتراك.