التاريخ الذي نحمله فوق ظهورنا

التاريخ حاضر في المستقبل بأكثر مما نتوقع.

تلك هي القضية التي تؤرقني بعدما شاخت بنا الأيام وشخنا بها، نحن الذين ولدنا في الخمسينيات من القرن العشرين وعشنا حتى مشارف الربع الثاني من القرن الواحد والعشرين، مرت بنا ومررنا بأحداث، وعركتنا معارك وعركناها، وتناوبت علينا وقائع طوال ثلاثة أرباع القرن، شهدنا خلالها أمة تنهض من بعد طول سبات يشدها إلى قرص الشمس أشواق للانعتاق طال انتظارها، ثم وقبل أن نشب عن الطوق فاجأتنا كارثة يونيو سنة 1967، وخضنا  حتى يومنا هذا في خضم الاعتراض على ما جرى وتتابع كأنه حلقات مترابطة في سلسلة من حديد تشدنا إلى الخلف من جديد.

هذا ليس بحث في التاريخ، ولا هو مبحث في تأثيره على الحاضر والمستقبل، هي تجربة شخصية عشناها مع الكتابة والقلم منذ بدأت بواكير الوعي بالتاريخ تهب على عقولنا مع القراءات الأولى في سن مبكرة جداً.

جاءت صدمتي الثانية، وأظنها كانت صدمة جيل بكامله، مع ما جرى في مايو سنة 1971، نظام ينقسم على نفسه، واستقالات جماعية تشمل وزراء نافذين في الحكومة، وقادة كبار في التنظيم السياسي الوحيد، وأنور السادات يعلنها ثورة للتصحيح، ويرفع ـ بناء على نصيحة من محمد حسنين هيكل ـ شعارات الديمقراطية وسيادة القانون واسقاط مراكز القوى.

رقصت الناس في الشوارع، وخرجت مظاهرات حاشدة تأييداً للشرعية الجديدة تهتف: “افرم، افرم، يا سادات”، ولم يلحظ أحد وقتها، إلا القلة التي اصطلح على تسميتها على مر التاريخ بأنها مندسة أن الشعار “الجماهيري” المرفوع وقتها يتناقض مع شعارات “السلطة” المعلنة، كان شعب السلطة يطالب بالفرم وسلطة الشعب تعد بالديمقراطية وسيادة القانون.

وقتها بدأت أطالع ـ كما من المؤكد أنه حدث مع طلائع جيلي ـ كل ما يقع تحت يدي، واتجهت بوصلة قراءاتي وجهة أخرى غير القراءة في كتب التراث والأعلام والأدب، اتجهت إلى قراءة التاريخ القريب لكي أفهم ما يجري وقتها أمامي، ولا أستطيع له تفسيراً.

اتسعت دائرة القراءات وتشعبت، وتفتحت دوائر المعرفة بالأحداث والأشخاص حين اقتربت فيما بعد من بعض الذين حكموا مصر تحت أعلام جمال عبد الناصر، ولست أنكر أن الإجابات على الكثير من الأسئلة ظلت معلقة في الهواء، وظلت رحلة البحث عن يقين ـ فيما حدث ـ تشدني وتشدنا كل يوم بأشد من اليوم الذي سبقه.

تعلمت طوال تلك الرحلة المضنية أنه لا يكفي أن تعلم الكثير عن التاريخ القريب لكي تفهم الحاضر، وأن وقائع التاريخ الغابرة ربما تبقى حاضرة بأكثر مما ينبغي، ويظل تأثيرها على المستقبل بأكثر مما نظن.

محمد علي وأحمد عرابي ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول ومصطفى النحاس وجمال عبد الناصر كأنهم فقرات متتابعة من كتاب تاريخ مغاير لكتاب آخر يتصدره الخديوي توفيق ومن جاءوا بعده من ملوك ورؤساء على نفس الشاكلة، ومصر نفسها تجدها في كتاب التاريخ الأول غيرها في الكتاب الثاني.

في الحقيقة وفي الواقع هي ليست أسماء تتابعت على صفحات تاريخنا، إنما هي حركة التاريخ بين الصعود والهبوط، بين التقدم خطوة واحدة إلى الأمام ثم الرجوع والانتكاس خطوات كثيرة إلى الخلف، هي صناعة التقدم في مواجهة صناعة التخلف، صناعة بازغة تحاول أن تطوي صفحة تلك الصناعة الراسخة، ونحن نتقلب بينها في دورات تاريخية يسلم بعضها إلى بعض رواسب وتراكمات وتأثيرات تبقى حاضرة في صياغة مستقبلنا.

تاريخ طويل من الثورات يجاور ويتجادل مع تاريخ أطول من الثورات المضادة، قوى تسعى إلى التغيير وأخرى تحرص على بقاء الحال على ما هو عليه، ونزوع باقٍ إلى الماضي، يختلف باختلاف الموقف من الحاضر، وتتصارع فيها وجهات النظر إلى المستقبل.

حين كتبت كتاب “الرئيس والأستاذ” الذي بحثت فيه عن العلاقة بين الكاتب والسلطان، متخذاً في ذلك نموذج العلاقة بين محمد حنين هيكل وكل من جمال عبد الناصر وأنور السادات، قرأت كثيرا في التاريخ المصري الحديث، وكما كان جمال عبد الناصر حاضراً في التاريخ قبل أن يولد، وجدت أنور السادات قابعاً في تلافيف ذلك التاريخ، وسيبقى عبد الناصر مطروحاً في المستقبل كما هو السادات، نموذجان يمثلان طريقين مختلفين، خط كل منهما حدوده على صفحات تاريخنا.

وحين أنظر اليوم إلى ما جرى بعد ثورة يناير سنة 2011 أتصور أن التاريخين ابتعثا من جديد، الأشواق في مواجهة القوامع، أشواق عارمة إلى التقدم على طريق الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ابتعثت من جديد وبدا أنها قاب قوسين أو أدنى من التحقق، واجهتها على الفور قوامع ثابتة في بنية الدولة والمجتمع استعادت بالمكر والتخطيط والدأب قوتها بعد الضربة التي وجهت إليها فآلت الأمور إلى النتيجة التي نحن عليها اليوم.

وحين قرأت كتاب “التاريخ الذي أحمله على ظهري”، وهو واحد من أجمل كتب السير العربية، الذي يحكي فيه الدكتور «سيد عويس» عالم الاجتماع الكبير سيرته التي مزج فيها بين التجربة الذاتية ودقة الملاحظة والبحث العلمي، وقد صاغها في حكاية شيقة تجمع الجوانب الثقافية والاجتماعية والتاريخية للمجتمع المصري الذي غاص فيه وكان طوال تجربته محل دراسته وغاص في أعماقه، تأكدت عندي أهمية كتابة “تجربة جيل” أنتمي إليه، ذلك الذي واجه أول ما واجه ما اعتبره ردة على الثورة، وانتكاساً عن مسيرة التقدم، ورجوعاً إلى الخلف على طريق الاستتباع للغرب، والظلم الاجتماعي، واهدار الكرامة.

هذا الحديث ربما يصلح كمقدمة لكتابة مفصلة متتابعة عن أنور السادات الذي أراه اليوم حاضراً بأكثر مما توقع هو، وبأكثر مما حلم أشد أنصاره انحيازاً له.