أنا وانتخابات الرئاسة

منذ أن عرفت قيمة الكلمة وأنا أشارك، في استفتاء2000 صوت بـ”لا”، من وقتها لم أقاطع إلا دور الإعادة في انتخابات2012 بين أحمد شفيق ومحمد مرسي، فهما عندي وجهان لنظام واحد، نظام خرجنا نطالب بإسقاطه، فعاد بعد عام يضعنا أمام الاختيار بين أحد وجهيه ليحكمنا طائعين، فامتنعت، وما عدى ذلك لم أسجل غيابا.

صباح يوم الاثنين استعددت مع فتح باب التصويت، ارتديت ملابسي، وكان قراري إبطال صوتي، انتظرت وصول مَّن تساعدني في أعمال المنزل؛ سألتها عن حال اللجان أبلغتني أن أمناء شرطة القسم بمنطقتها يطرقون أبواب المنازل ويسألوا الناس النزول للجان.

صدمتني إجابتها، ففي مثل هذه المناطق يكفي ظهور البدلة “الميري” لتحدث الاستجابة فورا راضيا أو مكرها، بعدها حضرت أختي وكان مقررا أن نذهب سوية للجنة، حكت لي بدورها عن سيدة فقيرة اشتكت أنها ستذهب مرغمة، بعد تهديدها بغرامة عند استخراج أي من الأوراق الرسمية.

وقصت لي وهي تضحك عن موظفي المحليات، وأوامرهم لأصحاب المحال بطبع دعاية تأييد للرئيس، وإلا أصابهم ما لا يطيقون من مخالفات واجبة الدفع! وأخذت تعدد ما رأته وسمعته وهي في طريقها، لم تكن تعلم أنها بذلك تبعدني خطوات عن الذهاب.

المشاهد أخذت تتوالى، صديق يرسل صورا لخصومات 50% بملاهي وأسواق كبرى، شرط إثبات النزول والتصويت، وأخر يبعث فيديوهات لمسئولين بوزارات ومصالح حكومية يأمرون الموظفين بالمشاركة والعودة بما يؤكدها!

تراجعت عما نويت، وبقيت بالمنزل أتابع ما ينقله الإعلام، صور الرئيس وسيارات الدعاية ومكبرات الصوت لا تكسر الصمت الانتخابي بل تقتله، وأخبار الرشى، وعودة الزيت والسكر والأموال، كلها أشياء تثقل الصدر وتفقدك شغف المشاركة.

تابعت المذيعين يستجدون المشاركة ويدفعون إليها، يعتبرونها ضد الإرهاب وضد استهداف مصر وضد ضعف مكانتها في الخارج، لم يقل أحدهم إن مَّن هندس الانتخابات قرر الحجر على الأصوات، وأغلق باب الاختيار، ووضع الجميع أمام مرشح واحد، والمرشح الأخر جاء لضمان فوز السيسي بأي نسبة حضور.

لم يشر أي منهم إلى أن الانتخابات بصورتها هذه تفقد أثرها ومعناها، وأن المشاركة لا تأتي فجأة، وأن الدولة هي من منعت السياسة، وأغلقت المجال العام وأممته لصالح الصوت الواحد والفاعل الوحيد، وأنها لم تسع لترمي بذرة الفعل الشعبي، أو لتبني المواطن الإيجابي المساهم في صنع القرارات، المواطن الذي يدرك أن لصوته قيمة وأنه صاحب الحق في اختيار حاكمه وممثليه.

فالدولة اختارت أن تعمل وسط صمت الجميع، وأن تتحرك بلا إزعاج من مواطنيها، أن تقرر دون دوشة أو اضطرار لتوضيح، وأن أجهزتها وإعلامها قاما بما يلزم لجعلها دولة الصوت الواحد والقرار الأوحد والفاعل الوحيد، وحدها تحدد ما على الشعب القيام به، أين يقف وإلى أين يذهب، متى يصمت ومتى يتحدث، كيف يشارك وكيف يمتنع.

لم يرد أحدهم على رسالة اللجنة العليا القائلة “لو مالكش صوت في بلدك، عمر ما بلدك هيكون لها صوت”، بأنه يجب توجيهها للنظام والسلطة قبل أن توجه للناخبين، ولم يشر أي منهم إلى أن دعوة النزول هي استدعاء اللحظة، وبعدها سيأتي الأمر واضحا: “عودوا من حيث أتيتم، وانتظروا الاستدعاء القادم الذي لا نعرف متى أو كيف، ولا ما هو الدور المطلوب وقتها، لكن لحين حدوث ذلك لا نريد حراكا ولا أراء، لا تعقيبا أو تعليقا”.

بين هذه المشاهد وما تحمله، وبين حق لا يجب التنازل عنه، وواجب يجب القيام به، عشت أيام التصويت الثلاثة مترددة بين هذا وذاك، وأثناء كتابة هذا المقال جاء الإعلان الرسمي بتنفيذ غرامة على المقاطعين، فابتسمت وانحسم الأمر.
فالمشاركة قرار مواطن مستقل، والإجبار سلوك دولة لا تعترف بقيمة مواطنيها ولا برأيهم، فهم عندها مجرد ديكور وأرقام لإثبات شعبية وتأكيد شرعية، إنها المتاجرة بأصوات الناس دون النظر لمعاناتهم، والتعامل مع الديمقراطية على أنها مجرد إجراءات وشكل، وليست قيم ومبادئ، فأهلا بالغرامة ثمنا بخسا لقرار حر.